غبار كثيف ملأ أجواء الكويت قبل مدة، منذراً بصيف رملي عاصف. وهذه العواصف، بما تحمله من أتربه وغبار متطاير، تحجب الرؤية وتكتم على الأنفاس وتحبس سواد الناس لكي يكونوا أسرى بيوتهم. أجواء الطوز والغبار الخانقة هذه، أصبحت أكثر تكراراً وتواتراً في السنوات العشر الأخيرة، فهي غدت تهب في كل وقت صيفاً وشتاءً، وكانت قبلئذ تهب بشكل أساسي في شهر يوليو وتسمى رياح البوارح، حيث تقدم إلينا من بادية الشام مارة بصحراء العراق والسعودية لتصل إلى الكويت.
ويبدو أن شح الأمطار في السنوات الأخيرة في عموم شمال الجزيرة العربية وبادية الشام، هو سبب قلة تماسك سطح التربة وسهولة تفككها بفعل الرياح، ثم تطايرها في الأجواء. وفي الأسبوع الماضي هبت إحدى تلك العواصف فكتمت أنفاسنا جميعاً، فظللت أسير الجدران الأربعة، شأني في ذلك شأن بقية خلق الله الذين يسكنون أرض الكويت. وكان هبوبها في "الويك إند"، مما جعل تأثيرها النفسي مضاعفاً. قبعت في بيتي يومين، وفي مساء اليوم الثالث طفح بي الكيل، فقررت أن أخرج ذاهباً إلى أحد المجمعات التجارية أرفه عن نفسي، خاصة أن موسم التنزيلات قد بدأ. وحينما اقتربت من المجمع، وجدت اكتظاظاً عجيباً في حركة المرور، بعكس الشوارع البعيدة التي بدت الحركة فيها خفيفة. وأدركت أن "الكل" فعل ما فعلت، وكأن ثمة "عقلاً مشتركاً" يجمع الجميع.
ثم وجدت المجمع وقد ضاق بما رحب من رواده، شيباً وشباباً، نساء ورجالاً، أطفالاً وكباراً. فسوء الأحوال الجوية قد جعل من المستحيل الذهاب إلى أماكن الترفيه المفتوحة، كالشواطئ والحدائق أو الأسواق التقليدية، ودفعهم دفعاً إلى المجمعات التجارية المغلقة والمكيفة، وبالتالي نشطت الحركة التجارية فيها. رأيت أحد الباعة في معرض لبيع الملابس الفاخرة ذات الماركات العريقة وعين الرضا بادية على محياه، ولسان حاله يقول: مصائب قوم عند قوم فوائد. قال لي مخاطباً: "السوق عال العال، ولو استمر الطوز لبضعة أيام سنصَرِّف بضاعتنا"!
ارتياد المجمعات التجارية (المولات) المكيفة والمغلقة، غدا ظاهرة اجتماعية، فضلاً عن كونه ظاهرة اقتصادية في المقام الأول، وهي أخذت تحل رويداً رويداً محل الأسواق المفتوحة، التي أصبح لا يذهب إليها الناس إلا في مناسبات معينة، كليالي رمضان مثلاً، أو بين وقت وآخر. ومن يذهب إلى "سكة الخيل" في دبي أو "سوق المباركية" في الكويت أو "باب البحرين" في المنامة، يلحظ ذلك. ليس هذا وحسب، فهذه المجمعات ما عادت تقتصر على بيع الملابس والأحذية والساعات والهواتف وغيرها، بل امتد نشاطها إلى أن تضم مجموعة من المطاعم والمقاهي، فضلاً عن سوق للأطعمة من لحوم ودجاج وأسماك وخضار وفواكه وغيرها. إنها اختصرت تلك الأسواق التقليدية العامرة، كسوق اللحم وسوق السمك وسوق الخضرة وغيرها، وحولتها "أنتيكات" هي قبلة للسياح الأجانب في الأعم الأغلب.
ظاهرة اجتماعية جديدة بت ألحظها في الكويت في مجمعاتها الكبيرة، وهي أنها أمست للبعض مكاناً لممارسة رياضة المشي، وخاصة في أشهر الصيف وأيضاً في أيام البرد القارس. وممارسو الرياضة هؤلاء عادة ما يكونون من كبار السن، نساء ورجالاً، وفي الأغلب من المواطنين المتقاعدين، فترى نساءً كويتيات بملابسهن التقليدية، ورجالاً كويتيين بدشاديشهم وغترهم وعقلهم، وربما أيضاً بمسابيحهم، وقد لبسوا أحذية رياضية ويمشون مشية رياضة، وليس مشية الهوينا.
وهؤلاء عادة ما يكونون الفوج الأول، حيث يأتون إلى المجمع وعمال النظافة ما زالوا مستغرقين في تنظيف أرضياته، وبعدهم يأتي من هم أصغر سناً منهم. وبعد المشي عادة ما يجلس هؤلاء على المقاهي، التي بالكاد فتحت أبوابها، لاحتساء القهوة أو لتناول وجبة الفطور. ومن الظواهر الملفتة حقاً، جلوس النساء الكويتيات التقليديات من كبار السن على هذه المقاهي، دون أن يثير ذلك استغراب أحد. هذا يعني بشكل آخر، تغيراً في نظرة المجتمع لهذا النوع من السلوك الذي لم يكن مقبولاً سابقاً.
والواقع أن الكويت قد اقتبست فكرة المجمع التجاري أو "المول" من دبي، وربما أيضاً أخذت باقي دول الخليج العربي فكرة المجمعات التجارية المغلقة والمكيفة، حينما نجحت في دبي. فأبناء المنطقة في ثمانينات القرن الماضي، كانوا يتحدثون عن "مجمع الغرير"، الذي كانوا يعتبرونه "آية من آيات" التسوق الحديث. وفعلاً حينما زرت دبي للمرة الثانية في ذلك الوقت (كانت الأولى العام 1975)، أعجبت أيما إعجاب بالمجمع، وقارنت الحركة التي فيه كحركة شارع فهد السالم في الكويت في ستينات القرن الماضي، رغم أن معارض ومحلات الشارع الأخير كانت في الرواقين القائمين على جانبي الشارع.
ولعل دبي الأكثر استفادة من ظاهرة الأسواق المكيفة، لجذب السياح إليها وبالذات السياح من أهل المنطقة، فـ"مولاتها" لم تعد مراكز للتسوق فحسب، بل هي "متنزهات" ـ إن جاز التعبير ـ يقضي فيها الزائر وقتاً طيباً.