في 30 يونيو 2011، وتحديداً في الوقت الذي كانت فيه اللجنة المكلفة بإعداد البيان الوزاري لحكومة الرئيس نجيب الميقاتي تبشر اللبنانين بأنها توصلت إلى حل توافقي لمسألة المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، تم الإعلان عن القرار الاتهامي من جانب رئيس المحكمة الدولية.
لم يكن مضمون القرار مفاجأة لأحد، داخل لبنان وخارجه. فقد نشرت مضمونه جريدة الفيغارو الفرنسية بعد أربعة أيام على توقف حرب إسرائيل على لبنان صيف العام 2006، ثم تناقلته مجلة "ديرشبيغل" الألمانية، وشبكة "سي بي أس" الكندية، وصحيفة "هآرتس" الصهيونية، وكثير غيرها. وتبلورت مسيرة القرار عبر مرحلتين متمايزتين:
الأولى؛ مرحلة توجيه أصابع الاتهام إلى النظام السوري و"حزب الله".
الثانية؛ مرحلة تبرئة سوريا وحصر المسؤولية في حزب الله منفرداً، وصولاً إلى تسمية أربعة متهمين من عناصره القيادية.
بعد يومين فقط على صدور القرار الاتهامي، أطل الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، على شاشات التلفزة ليهاجم القرار الظني ويعتبره إساءة للمناضلين من جهة، ولصدقية المحكمة الدولية، لأنه يفتقر إلى الحرفية، والتبصر، والعدالة، والضبط من جه أخرى.
وقدم دلائل على انحياز رئيس المحكمة والمدعي العام وبعض المحققين إلى جانب إسرائيل، فنظراً لصداقتهم المؤكدة معها، رفضوا تحميلها أي مسؤولية في اغتيال الرئيس الحريري، رغم وجود وقائع جرمية تضع إسرائيل في موقع الاتهام الظني. لذلك كررت قيادة "حزب الله" الاعتراضات السابقة حول طريقة تشكيل المحكمة، وكيفية اختيار المحققين، ومنهم ضباط في الاستخبارات الأميركية والبريطانية مكلفون باغتيال رجال المقاومة اللبنانية، وتربطهم صداقات حميمة مع إسرائيل.
وبالاستناد إلى الوقائع الدامغة التي تؤكد بوضوح أن المحكمة مسيسة، رفضت قيادة "حزب الله" بشكل واضح وصريح، القبول بها، حيث لا عدالة ترتجى منها. أما توقيت الإعلان عن القرار الاتهامي في الفترة الممتدة ما بين التوافق على البيان الوزاري لحكومة الميقاتي، وتحديد البدء بجلسات الثقة في البرلمان اللبناني في الخامس من تموز 2011، فيؤكد بالدليل القاطع أن الهدف منه ليس إظهار حقيقة من اغتال الرئيس الحريري، بل إسقاط حكومة الميقاتي، وبالتالي فهو إعلان مسيس ومشبوه في توقيته وأهدافه. وقد تأخر الإعلان عنه شهوراً طويلة، في انتظار اللحظة السياسية الملائمة.
فوضع في الأدراج طوال الفترة التي كان الميقاتي يعاني فيها من مأزق التأليف، لدرجة دب اليأس فيها لدى اللبنانيين من إمكانية تشكيل الحكومة الجديدة. وحين فوجئت المعارضة بالإعلان عنها وتشكيل لجنة لصياغة البيان الوزاري، ومثول الحكومة أمام النواب بسرعة لنيل الثقة والانصراف إلى العمل، بادرت قوى المعارضة إلى رفض الحكومة والدعوة إلى إسقاطها، قبل أن تعلن عن بيانها الوزاري.
وبرز خوف كبير لدى قادة المعارضة من أن تنال حكومة الميقاتي الثقة المتوقعة قريباً، فتستمر طويلاً في عملها لتشرف على الانتخابات النيابية القادمة في العام 2013، مما يشكل ضربة أليمة لتيار المستقبل الذي يقوده الرئيس سعد الدين الحريري المقيم خارج لبنان، ويظهر ضعف حلفائه في الطوائف الأخرى.
وبما أن مضمون القرار الاتهامي لم يختلف كثيراً عن المعلومات التي تم تسريبها سابقاً إلى وسائل الإعلام الغربية والعربية واللبنانية، لم تكن له تداعيات مباشرة وفق السيناريوهات التي تم الترويج لها، والتي توقعت قيام مظاهرات حاشدة وصدامات طائفية تنزلق تدريجياً إلى اقتتال بين السنة والشيعة في لبنان، وتستدرج تدخلات إقليمية ودولية.
وبدا واضحاً أن المواجهة السياسية في لبنان تجاوزت مسألة الإعلان عن القرار الاتهامي، الذي يتطلب تنفيذه شهوراً عدة ومحاكمات قد تمتد لسنوات.
فبادرت قوى 14 آذار إلى الرد على التحدي الذي أطلقه أمين عام "حزب الله"، في موقفه الرافض للقرار الاتهامي وللمحكمة الدولية والتزامات لبنان تجاهها، بالدعوة إلى اجتماع حاشد عقد في البريستول يوم الأحد الماضي (3/7/2011)، في غياب زعيم تيار المستقبل سعد الحريري، وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع. وأصدر المجتمعون ما أسموه "البيان - الوثيقة" الذي تمت صياغته بنبرة صارمة تدعو إلى إسقاط حكومة الميقاتي، بصفتها مجرد واجهة سياسية لحزب الله الذي يعمل من خلالها على وضع يده على الدولة اللبنانية بقوة السلاح.
عقد لقاء البريستول تحت شعار "المحكمة طريقنا إلى العدالة"، وانتهى المجتمعون إلى مطالبة الميقاتي بالالتزام بالمحكمة الدولية أو الرحيل مع حكومته.
وبعد إعلان تمسكهم بمبادئ المعارضة الوطنية والديمقراطية، طالبوا رئيس الحكومة بإعلان التزامه أمام مجلس النواب عند افتتاح جلسات الثقة بالحكومة في الخامس من يوليو الجاري، وبشكل صريحٍ ومباشر، بتنفيذ القرار الاتهامي، وإعلان استعداد لبنان رسمياً لتنفيذ قرارات المحكمة الدولية لمعاقبة القتلة والمجرمين. وأعلنوا استعدادهم لمواجهة حكومة تناقض أسس العيش المشترك بين اللبنانيين، وأكدوا أنهم باشروا على الفور بالعمل على إسقاط الحكومة في البرلمان، والطلب من الحكومات العربية والمجتمع الدولي عدم التعاون معها، في حال تمنعت عن تنفيذ القرار الخاص بالمحكمة الدولية.
ختاماً، تدور في لبنان اليوم معركة سياسية شرسة على خلفية القرار، بين قوى تدعم حكومة الميقاتي وأخرى تعمل على إسقاطها بالوسائل الديمقراطية السلمية. وقد تم توظيف القرار الاتهامي لأغراض سياسية متعددة ضد سوريا أولًا، ثم حصرها في حزب الله وحلفائه.
وقد أعلن عنه مؤخراً في أجواء إقليمية معقدة، ليصبح سيفاً مسلطاً على جميع الرافضين لمشروع الشرق الأوسط الجديد. وباتت المحكمة الدولية سلاحاً في يد منظومة دولية تقودها الولايات المتحدة الأميركية، التي أطلقت يد إسرائيل في تهويد القدس وبناء المستوطنات على جميع الأراضي الفلسطينية، والتحضير لمشروع استيطاني كبير في الجولان، والتهديد المتواصل باحتلال لبنان مجدداً، ومساندة إسرائيل في مغامراتها العسكرية تحت ستار الحفاظ على أمنها ضمن حدود تتوسع في جميع الاتجاهات.
فلبنان في قلب مشروع جهنمي يريد إشعال الفتنة الطائفية بين اللبنانيين، وخصوصاً بين الشيعة والسنة من جهة، يقابله مشروع وطني مقاوم يعرف كيف يمنع الفتنة، ويمنع إسرائيل وحلفاءها من تحقيق أهدافهم على السلحة اللبنانية من جهة أخرى، لكن لبنان اليوم محصن من الفتنة الطائفية، ويعرف اللبنانيون جيداً كيف يدافعون عن وطنهم، ويحولون زوبعة القرار الاتهامي إلى مجرد صراع سياسي على السلطة.