لست في حاجة إلى التأكيد على أن الشباب هم عدة الأمم وذخرها ورصيدها الحضاري وسر بقائها وحيويتها، وما نسمعه ونراه من تخوف بعض الدول من شيخوخة شعوبها، مثل اليابان وبعض دول أوروبا، رغم أنها ارتقت على سلم التقدم مرتقى متميزا، إلا أنها ما لبثت تنظر إلى عنصر الشباب الذي يضمن لها استمرارية هذا الرقي وزيادته.

ولأهمية قطاع الشباب ودوره، فقد وصلتني رسالة من سعادة إبراهيم عبد الملك محمد، الأمين العام للهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة في دولة الإمارات، فحواها أن الهيئة بصدد الإعداد للمنتدى الإعلامي الأول للشباب الخليجي، والذي سيقام في شهر سبتمبر من العام الجاري ويضم أكثر من 200 مشارك من كافة دول مجلس التعاون الخليجي، في إطار حرصها على إتاحة الفرصة للشباب المهتم بالمجالات الإعلامية المختلفة، للتعبير عن آرائهم وإبراز إبداعاتهم وتبادل التجارب في مجال الإعلام الشبابي، ومناقشة الآثار الفكرية والسلوكية المترتبة عليها وسبل معالجتها. وفي ختام الرسالة مطلب بتحديد موعد لزيارة ممثلي اللجنة المنظمة للمنتدى، للاجتماع بذوي الاختصاص من أعضاء هيئة التدريس في الكلية لتقديم شرح مفصل وتبادل الأفكار والمقترحات حول ذات الشأن.

والحق أنني ظننت بداية أن هذه رسالة بروتوكولية، لا يتعدى هدفها الإعلان عن المنتدى وإخبار الجهات المختلفة بما تقوم به الهيئة من أنشطة. ولأننا شركاء في هذا الوطن والتحية لا بد أن نردها بمثلها أو أحسن منها، فقد حددت موعدا لزيارة وفد الهيئة للكلية، وفي الزمان والمكان وجدتهم يتصلون ليعلموني بقدومهم للقاء، فقلت هذا أول معالم نجاح هذا المنتدى، مادام هناك من يأخذ الأمور كما ينبغي.

وفي تقديري أن الأمر لا يتوقف على كونه المنتدى الإعلامي الأول للشباب الخليجي، ولكن طريقة تعامل الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة مع الحدث نفسه، استرعت انتباهي من عدة أوجه، وهي أن الجهات المعنية في الدولة تدرك أن هناك حاجة حقيقية للولوج إلى عقل الشباب، واستكشاف ما يدور فيه من أفكار وما يتطلع إليه، غير مكتفية بالركون إلى أصحاب الأوصاف والألقاب من المتخصصين والخبراء والحكماء والمشاهير، الذين اعتدنا أن نراهم ونستمع إليهم وكأنهم مقررون علينا، مع شديد الاحترام لهم جميعا، إلا أن هذا من الأخطاء التي يقع فيها معظم وسائل الإعلام وبعض المؤسسات المجتمعية، وهو السعي لأصحاب الأسماء الكبيرة، دون الاستماع إلى قطاع الشباب والاقتراب منهم بشكل أكبر، رغم أن ذلك سيضيف إلى عملهم روحا جديدة من ناحية الطرح، وقيمة كبيرة من ناحية المصداقية.

إن على وسائل إعلامنا بكافة أشكالها، الإنصات أكثر إلى الشباب، إضافة إلى المواطن العادي، وأن ينحي مؤقتا من صدعوا أدمغتنا بنظريات فكرية ورؤى فلسفية وقراءات مستقبلية، لا يستمع إليها ولا تسترعي انتباه شاب أو من بلغ أشده، لاستخدامها لغة خشبية عصية عن الفهم، وإن فهمت فلا يمكن أن تطبق على أرض الواقع، وإن طبقت فلا أثر لها ولا جدوى من نتائجها.

إن ما استوقفني هو أن هذه هي المرة الأولى التي يعقد منتدى إعلامي للشباب الخليجي، وان نقطة انطلاقه ستكون من الإمارات، ولا شك أن ذلك يأتي متسقا مع ما توليه القيادة السياسية من اهتمام بالشباب وإيمانها المطلق بقدراتهم، والذي ينعكس على أداء المؤسسات المعنية. ثم أن يطوف هذا المنتدى بين دول الخليج ليتخذ كل عام عاصمة بعد أخرى، ليزيد التلاقي بين الشباب الخليجي والتلاحم في ما بينه وتعزيز ذلك، هو فرض على كل المؤسسات.

إن المؤسسين أدركوا أن اللحمة بين أبناء الجزيرة العربية هي السد المنيع أمام كل التحديات، لكنني أتساءل ما هو موقف الأجيال الصاعدة وما هي رؤيتهم لواقع منطقتنا، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى أن نحدد نقاط التلاقي ونعظمها وندق عليها، وهي كثيرة، وأن نتلمس مكامن الاختلاف لنمحوها، ولا أعتقد أنها تصمد طويلا في ظل الميراث الثقافي الواحد لغة وديناً ومنظومة قيمية.

وما زادني يقينا هو تأكيد الوفد الممثل للهيئة، أننا نريد أن يناقش الشباب مشاكلهم ورؤاهم للمستقبل، وأضافوا وكأنهم يقرؤون ما أريد أن أسأله.. بلا خطوط حمراء وبحرية تامة، وهنا يكون العمل الجاد المخلص الذي يريد مصلحة أوطاننا. فحب الوطن والانتماء إليه والولاء لترابه، قيمة لا تعلوها قيمة، ولكن لا يمنع ذلك من اختلاف أبناء الوطن الواحد في إطار البيت الكبير والحب الأكبر لمن بنى وأسس ومن حافظ ونمى.

لقد كان من الممكن للقائمين على التحضير لهذا المنتدى، أن يختاروا نفرا من الشباب بشكل أو بآخر بطريقة تيسر لهم خروج فعالياته بشكل يحقق الهدف في الظاهر، لكنهم اختاروا الطريق الصعب والصحيح في الوقت ذاته، فأن يتم اللقاء مع المؤسسات الجامعية المعنية، لهو مؤشر على صدق وإخلاص وتجرد المعنيين، وإرادتهم الصادقة لأن يكون لهذا المنتدى مردود على أرض الواقع. وآية ذلك أن إثارة المنافسة بين طلاب الجامعات في مجالات ومشروعات إذاعية وتليفزيونية، وكافة الأعمال الفنية وغيرها على مستوى الدولة، لتتنافس على المستوي الخليجي تحت عنوان قيمة كبيرة "حب الوطن"، من شأنه أن ينعش مشاعر وطنية قد تخبو أحيانا لكنها لا تموت، وقد تهدأ على فترات لكنها تظل كالمرجل المشتعل ينتظر من يغذيه، وتلك اللقاءات والمنافسات هي الزاد غير المقطوع، وفي حب الوطن فليتنافس المتنافسون.

كما أن سعي القائمين على هذا المنتدى إلى أساتذة الجامعة والإنصات لآرائهم ومقترحاتهم، هو فصل جديد في الارتقاء بكل ما نقوم به من فعاليات من أجل رفعة أوطاننا. فأساتذة الجامعة هم ملح الأرض وضمير الأمة، وما يقولونه يزيد من نجاح المنتدى ويمثل إضافة نوعية لمخرجاته، وقد قدم بعضهم بالفعل العديد من المقترحات، ومن أهمها أن يكون هناك مركز دائم لهذا المنتدى، وألا نكتفي بكونه حدثا سنويا نلتقي وينتهي.

كما أنه فرصة سانحة لتفعيل أواصر التعاون بين المؤسسات الجامعية في الدولة وبين المؤسسات الرسمية، في إطار رؤية استراتيجية طويلة الأمد لا تقتصر على الفعاليات السنوية. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الملتقى الإعلامي سيمثل لنا الباب الواسع لانتقاء الكوادر الإعلامية الخليجية القادرة على حمل رسالة الإعلام الوطني، في ظل السياسة الدؤوبة التي تنتهجها قيادتنا السياسية لتوطين المجال الإعلامي.

إنني أشد على أيدي القائمين على الإعداد لهذا المنتدى، وإن كانت فكرته أتت متأخرة، إلا أن تأتي الأفكار متأخرة خير من ألا تأتي أبدا.