عاش عدد كبير من البيوت في الإمارات الأسبوع الماضي، فرحة غامرة مع الإعلان عن نتائج الثانوية العامة، وتصدُّرِ عددٍ كبير من طالبات وطلبة الإمارات للمراكز الأولى على مستوى الدولة، حيث حصل عشرون طالبا وطالبة على المراكز العشرة الأولى في القسمين العلمي والأدبي. وهو عدد يدل على أن هناك نوابغ بين طالباتنا وطلبتنا، ويدحض مقولة إن الإماراتي غير قادر على المنافسة والتميز، خاصة في المجالات العلمية التي تتطلب ذكاء فطريا لا نعتقد أن أبناء وبنات الإمارات مجردون منه، وإصرارا ومثابرة لا نعتقد أنهم عاجزون عن التحلي بهما.
ما لفت نظرنا في خبر إعلان نتيجة الثانوية العامة، هو تصريح معالي وزير التربية والتعليم، عندما وجه الناجحين والناجحات إلى ضرورة اختيار التخصص الذي سيدرسونه في الجامعة، داعيا إياهم إلى معرفة التخصصات التي تتوفر فيها فرص العمل بشكل دائم، كالتخصصات الهندسية وتقنية المعلومات، منوها إلى أن سوق العمل في دولة الإمارات متجدد ومتغير بشكل دائم، وبحاجة إلى مختلف التخصصات التعليمية.
لا شك أن اجتياز الثانوية العامة مرحلة فارقة في حياة كل إنسان، وهي التي تحدد معالم مستقبله المهني، وتضع اللبنات الأولى لمراحل حياته المقبلة. ينطبق هذا على الجميع، بغض النظر عن جنسياتهم. وعندما نتحدث عن الإمارات، نستعرض المراحل التي مرت بها دولتنا التي تكمل مع نهاية هذا العام أربعة عقود من عمرها، اجتازت خلالها مرحلة التأسيس، وعاشت مرحلة الطفرة.
وآن لها بعد أربعين عاما من تأسيسها أن تقف وقفة تأمل، تحصي فيها ما حققت من إنجازات، وتراجع بعض الجوانب التي شابها شيء من القصور، لعوامل بعضها خارجي، وبعضها الآخر داخلي، يتعلق جزء كبير منها بالتخطيط الذي لم يواكب تطلعات المؤسسين الأوائل وطموحات الجيل الثاني من قيادة الدولة التي تضع المواطن في المرتبة الأولى من اهتماماتها.
وتدعو إلى اعتباره أساسا لعملية التنمية والتطوير، وليس مجرد شريك فيها، وتؤكد على حق الأجيال الواعدة في الاستفادة من خيرات الوطن، كما هو حال آبائهم الذين ينعمون اليوم بغرس الآباء المؤسسين، وفق ما صرح به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة.
لا يختلف اثنان على أن فرص العمل عند قيام الدولة وفي مرحلة البدايات كانت أكثر، بالنظر إلى عدد الخريجين المواطنين الذين لا يُقارَن عددُهم حينها بعددهم الآن. وهي الذريعة التي يتخذها المدافعون عن وجود هذا العدد الكبير من الخريجين المواطنين الذين يعانون من البطالة، ويبحثون عن عمل في بلد مثل الإمارات، يمثل المواطنون فيه نسبة تقترب من العشرة في المئة وتتناقص عاما بعد عام، في الوقت الذي يتيح فيه فرصا للقادمين من شتى أصقاع المعمورة، الأمر الذي يدحض مقولة إن زيادة عدد الخريجين هو المبرر لارتفاع نسبة البطالة بين المواطنين، ويعيدنا إلى هذا الحديث وشجونه التي هي في حد ذاتها حكاية يطول شرحها.
ما يهمنا ونحن نعيش فرحة تفوّقِ أبنائنا وبناتنا في الثانوية العامة، هو التساؤل عما إذا كانت هناك خطة لاحتضان المتفوقين منهم، وتوجيههم لدراسة التخصصات التي يحتاجها الوطن، وتعهُّدِهم بالرعاية بعد التخرج، وتوفير مجالات العمل المناسبة لتخصصاتهم. وهو ما يمثل في نظرنا أولى خطوات الاستثمار السليم لتفوق أبناء وبنات الوطن، مثلما تفعل الدول المتقدمة وتلك التي تسعى إلى اللحاق بركبها.
يدعونا إلى هذا الطرح ما شهدته السنوات الماضية من إحباط أصاب بعض الخريجين والخريجات، الذين تم توجيههم من قبل بعض جهات الابتعاث الرسمية إلى دراسة تخصصات علمية معينة في جامعات أجنبية خارج الدولة، أو اختاروا هم بأنفسهم دراسة هذه التخصصات لعلمهم أنها مطلوبة في عصرنا هذا، وعندما عادوا إلى أرض الوطن لم يجدوا مجالات العمل التي تتفق مع تخصصاتهم العلمية، الأمر الذي اضطرهم إلى الانخراط في وظائف، صحيح أنها قريبة من تخصصاتهم، لكنها ليست الأماكن الصحيحة التي كان يجب أن يستثمر الوطن دراستهم فيها.
وأفضل مثال على ذلك خريجو تخصص "الجينات" الذين حصل بعضهم على شهادات عليا في هذا المجال، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يعملون في مختبرات المستشفيات، في الوقت الذي كان يجب فيه أن توفر الدولة لهم مراكز أبحاث جينية للاستفادة من تخصصهم الذي يُعتبر اليوم واحدا من مفاتيح الاكتشافات الطبية والعلاجية في العالم، علاوة على أن وضعهم الوظيفي محكوم عليه بالجمود.
ومجالات الترقي أمامهم مسدودة، لأنهم يعاملون على أنهم فنيو مختبرات وليسوا باحثين، الأمر الذي جعل الكثيرين منهم يفكرون في مواصلة دراساتهم العليا في مجالات أخرى، والابتعاد عن هذا التخصص الذي لا يجدون حافزا ماديا ولا معنويا يدفعهم إلى الاستمرار فيه، بل إن بعضهم يشعر بالحسرة على السنوات التي قضاها في دراسة هذا التخصص بعيدا عن الوطن.
نقول ذلك كي لا تندم الطالبة المتميزة علياء إبراهيم المطوع عندما تجد نفسها في وضع كهذا، بعد أن تنتهي من دراسة "هندسة الطاقة المتجددة" التي قالت إنها تنوي التخصص فيها، بعد احتلالها المركز الأول على طلبة وطالبات القسم العلمي على مستوى الدولة. كما نتمنى على وزارة التربية والتعليم، أو أي جهة مختصة في الدولة، أن تبحث في قوائم المتفوقين من أبناء وبنات الإمارات على مدى السنوات الأربعين الماضية.
وتستقصي التخصصات التي درسوها، ومواقع العمل التي صاروا إليها، لنعرف أين نحن من رعاية المتفوقين والمتميزين من أبناء الوطن، وأين ذهب أولئك الذين تفوقوا عبر أربعين عاما من مسيرة الوطن، وأين سيذهب هؤلاء الذين احتفينا بهم الأسبوع الماضي، بعد أن تنتهي الأفراح والليالي الملاح، وبعد أن تُطفأ الأضواء وتختفي كاميرات التصوير ويتبدل المشهد، ويصبح ما نقوله الآن جزءا من التاريخ الذي كثيرا ما ننساه أو نتناساه، ولا نعود إليه إلا عندما نريد أن نستعرض إنجازاتنا فقط، دون أن نحاسب أنفسنا على إخفاقاتنا، أو نتعلم منها كي لا يعيد التاريخ نفسه.