تحت عنوان «قطبان على أقل تقدير.. أو الموت»، يبيّن عالم الجيوبوليتيكا الروسي الكسندر دوغين، أن روسيا باتت منذ فترة قصيرة أمام أحد خيارين استراتيجيّين، هما في غاية الخطورة والتعقيد: إما القبول بالنظام الكوني العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة، وإما التكوين الفوري للتكتل الجيو-استراتيجي المناوئ لمنظومة القوى الأطلسية.
هذه الأطروحة التي تضمّنها كتاب دوغين المثير للجدل «أسس الجيوبوليتيكا»، كانت أشبه بوصية سياسية أخلاقية بالنسبة إلى الزعيم الروسي فلاديمير بوتين. فقد أخذ بها منذ اليوم الأول لتسلمه مقاليد السلطة، بعد سنوات الوهن التي عاشتها بلاده تحت ظل الرئيس السابق بوريس يلتسن. الآن، وبعد مرور حقبة كاملة من التحوّلات في الداخل والخارج، عادت التساؤلات لتفرض نفسها من جديد حول طبيعة المسار الذي تسلكه روسيا، في ظل الاحتدام الحاصل على الصعيد العالمي، وخاصة في شقه المتعلّق بالشرق الأوسط.
السؤال المحوري الذي يُطرح في هذا المقام، يدور حول ماهية الموقع الذي يحتلّه بوتن في مواقع القرار. والمفارقة أن مثل هذا السؤال يجري تداوله في الوقت الذي يُلحظ فيه وكأن موسكو عادت لتمكث في منطقة الضباب الاستراتيجي، إزاء التحوّلات المدوية التي تعصف بالفضاء العربي الإسلامي المجاور لها.
ثمّة من رأى أن روسيا في حقبة ميدفيديف الرئاسية، دخلت مجدداً إلى حلبة التردّد والحيرة، وآخرون قالوا إن موقعيّة روسيا في العالم لا تني تترسخ بخطى ثابتة ولو ببطء. في حين مضى كثيرون إلى القول بأن البوتينية لم تفقد حيويتها تحت رئاسة ميدفيديف، بل هي تحوّلت إلى ظاهرة أخذت تحفر عميقاً في الزمن الروسي الجديد. الاستنتاجات على الجملة، دلّت على أن زمناً مستأنفاً لن تكون فيه روسيا الجديدة إلا على نصاب استعادة الاقتدار الذي هوى بعد سقوط الشيوعية.
لكن كيف؟ يقال اليوم إن بوتن الذي جاء برئيس تربى تحت جناحيه، سوف يمضي في مصارعة أميركا والغرب، حتى لو كلّفه ذلك استعادة الحرب الباردة على نشأة أخرى.. والعارفون يقولون إن بوتن حسم أمره منذ البداية، ليختار المنطقة الوسطى بين شيوعية سوفييتية لا حظّ لها في العودة إلى السلطة، وبين إصلاحية غورباتشوفية حفرت طريق الانهيار لواحدة من أعظم إمبراطوريات القرن العشرين.
لقد بدا للرجل القادم من مؤسسة الأمن العريقة، أن صورة بلاده بعد عهدين متتاليين من التداعي (غورباتشوف - يلتسين)، باتت مثيرة للهلع، وبالتالي لا بد هي تُختصر عند الروسي العادي، فضلاً عن جنرالات المؤسسة العسكرية، بوجوب استعادة ما سُمّي بــ«الكرامة المهدورة». ولذلك لم يكن لفلاديمير بوتن إلاّ أن يوصي خليفته، بضرورة الانحياز لمبدأ القوة كسبيل لإنقاذ بلاده من الانهيار والتفتت.
يدرك ميدفيديف أن الطريقة التي أخذ بها بوتن ليبلغ هذا الهدف، حملت مزيجاً مركباً من العقل البارد ومن خيارات القوة التي تخلّلت التجربة الروسية الطويلة. ومع أن الكريملن حقَّق خلال عهديهما نجاحاً ملحوظاً في إعادة الاعتبار لقوة روسيا، فقد واجه في المقابل قوى ضغط لا حصر لها في الداخل والخارج، هي القوى نفسها التي يبدو أنها تضغط اليوم، وتؤثر على الموقع الرئاسي. إزاء ذلك كان على بوتن أن يسلك بصعوبة نادرة، طريقه الخاص في مواجهة فوضى النفوذ المالي والإعلامي والأمني والعسكري، في موازاة العمل الجاد، لكن البطيء، لجهة تشكيل تحالفات دولية وإقليمية في مواجهة الجموح الأميركي المتمادي.
عندما استهل بوتن ولايته بحرب مفتوحة في شمال القوقاز، كان يعرف أن سياسة كهذه لا مناص منها لتقوم المعادلة في هذه الجغرافيا المضطربة، على نصاب غير متناقض مع الأمن القومي الاستراتيجي لروسيا. والذين وقفوا على طريقة إدارته لحرب الشيشان، لاحظوا اعتماده على ما كان يسميه مؤسس الدولة السوفييتية فلاديمير لينين بـ«سياسة ليّ القضيب». والمعروف عن هذه السياسة التي صاغها لينين تحت وطأة حربين متلازمتين، أهلية وخارجية، أنها تقوم على نظرية الردع التي تنتهي إلى التوازن أو إلى الغلبة في الصراع مع الخصم.
وقوامها أيضاً، أن منطق التطرف أو الانفصال لا يستوي على «اعتدال» ما، إلا إذا قوبل بمنطق قوة معاكس يتجاوز ما لدى الخصم من قدرات، إلا أن بوتن كان يدرك أن القضايا المتّصلة بالأمن القومي لروسيا، تحمل بعداً جيواستراتيجياً يستحيل النظر إليه بتبسيط.
فالأوساط الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، كانت ولا تزال تنظر إلى الجمهوريات المنفكّة عن الاتحاد السوفييتي السابق، كمناطق نفوذ حيويّة. وليس بعيداً عن ذلك ما تتوخاه نظرية ملء الفراغ، التي وضعها مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، والمشهورة بـنظرية «الثقب الأسود». في إشارة منه إلى روسيا الكبرى وما تشمله من مجالات جيواستراتيجية تتسم أوضاعها بالفوضى وعدم الاستقرار.
في تلك الفترة لاحظ الخبراء أن البطء الروسي في الرد على تدخل البيت الأبيض في ما يعتبرونه مسّاً بسيادتهم القومية، لم يعد مقبولاً ولا قابلاً للتكيّف في حسابات الكريملن، وهو ما دفعه إلى المزيد من التشدد الذي ظهر في بعض ملامحه أقرب إلى تجاوز الخطوط الحمراء للديمقراطية وحرية الصحافة.
غير أن الخطوة الأكثر مدعاةً لملاحظات الخبراء، كانت في «التحالف» الروسي - الصيني حول القضية النووية. ولقد بدا لهؤلاء أن إصرار موسكو - بكين على الالتزام بمعاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ البالستية، يعني في حقيقة الأمر الاعتراض الصارم على انفراد واشنطن بالمجالين النووي والعسكري والسيطرة عليهما. ولذلك فليس من قبيل المصادفة أن تكون عبارة «الشراكة الاستراتيجية» بين الصين وروسيا، أكثر من مجرد اصطلاح دبلوماسي بارد.
ويذهب آخرون إلى أن ثنائية بوتن - ميدفيديف هي التي تحكم البلاد، على قاعدة الجمع بين القيصرية والستالينية في آن. لكن الكريملن المكتظ بالقلق على مصير روسيا، لا تفارقه أحلام العودة إلى قلعة القيصر الأعظم، في حين أن أحلاما كهذه تستلزم الانتقال الصعب من التردّد إلى الحسم في الخيارات الاستراتيجية، ذلك أن لحظة الاحتدام التي يعيشها الشرق الأوسط، من بغداد إلى طهران إلى دمشق وبيروت والقاهرة فصنعاء وطرابلس، إنما تفترض تجاوز الاداء البطيء في اللعبة المحمومة.
ربما سيكون على الثنائي بوتين-ميدفيديف التهيُّؤ للمخاطرة في تمرين جديد على «حرب باردة» من طراز مختلف، لكن هذه المرة، وكما ينصح عدد من المفكرين الاستراتيجيّين الروس، ضمن تحالف حضاري يجمع ثلاثة فضاءات كبرى: فضاء روسيا الأرثوذكسية، وفضاء الصين الكونفوشيوسية، وفضاء الإسلام الممتد بين آسيا وإفريقيا حتى تخوم الغرب الأوروبي.
هل سيمضي بوتن، ومعه ميدفيديف، إلى النهايات لاستعادة الضفة المقابلة للتوازن الدولي؟