الدول التي بدأت تشعر باقتراب تحرك شعوبها عليها أن تسبق الوقت. لا أن يسبقها. فقد أثبتت التجارب الأخيرة بأن محاولة كسب الوقت في اللحظات الأخيرة تشبه إلى حد كبير الشخص الذي أصيب بمرض عضال وأوهم نفسه بأنه بخير وأنه سيتعافى منه دون تدخل جراحي.

 

وعندما يصبح المرض في مراحله المتقدمة يصبح علاجه إما صعبا أو مستحيلا. وجميع التنازلات التي يقدمها المريض تصبح غير مجدية. فلماذا لا نسبق الفيضانات والعواصف والزلازل بترتيب بيتنا الداخلي بحيث يقاوم كافة أنواع الغضب البشري والطبيعي؟

 

تعلمت الشعوب بأنه عندما يبدأ النظام بتقديم التنازلات البسيطة فهذا يعني بداية لتقديم تنازلات أكبر، وعندما يبدأ بتقديم تنازلات أكبر فهذا يعني أنه يمهد الطريق لتقديم نفسه لمحاسبة الشعب.

 

فأي شكل من أشكال التنازل (أو ما يطلق عليه التنزيلات على البضاعة) يعني في قاموس التجارة فقدان نسبة كبيرة من القيمة.

 

ولا يمكن تفسير التنازل (سواء في الحكم أو في البيع والشراء) بأنها صحوة مفاجئة لضمير النظام أو البائع الذي نام لعقود طويلة على وسائد من حرير لكي يعطف على المشتري أو المواطن. الشعوب لا ترحم الأنظمة كما لا ترحم الأنظمة الشعوب.

 

وفي كلا الحالتين تغلب قوى الشعوب في نهاية اللعبة قوة السلطة التي لا تكترث لحال شعوبها. وعندما تلجأ الأنظمة لاستخدام القوة كخيار نهائي فإنها تعبر عن تمسك مفرط بالسلطة، والشعوب عندما تثور تعبر عن قهر لا يمكن احتماله لفترة أطول.

 

لذا، وقبل أن تثور الشعوب، على النظام الحاكم أن لا يثق بالظاهر وما قد ينقل إليه من تقارير سارة ومفرحة وأن كل شيء يسير على ما يرام. إنما عليه واجب النزول إلى مستوى الفرد. عليه أن يصغي (لا أن يتجسس) إلى ما يدور من أحاديث في المقاهي ومن نقاشات خافتة في البيوت ومن جدال في الديوانيات.

 

فهذه حتما لا تصل إلى الحاكم المحاط بمجموعة من البطانات التي ترمي إلى حماية مصالحها ولا تنقل الحقيقة الصريحة وتهرب متى وقعت الواقعة على حاميها. بل أنها قد تنقلب على حاميها الذي وفر لها سبل الوصول إلى مبتغاها. وهذا ما حدث في مصر وفي تونس وفي ليبيا وغيرها.

 

الأنظمة التي وصلها فيروس الثورات لم تسبق الوقت، وتركت الوقت يسبقها ويضعها في زاوية حرجة، حيث لا مفر ولا فرار. فحكم الشعوب ليس مجرد هواية يمارسها البعض لقضاء الوقت. إنها مسئولية خطيرة وثقيلة وهي أمانة لا بد من إيصالها إلى أصحابها سليمة معافاة.

 

وهذا ما نجده على أرض الإمارات الطيبة. حيث أصبحت العلاقة بين الحاكم والمحكوم كعلاقة الأب بأبنائه. فسعادة الأب من سعادة الأبناء. لذا فتحت لهم الأبواب دون قيد أو شرط. ووفروا لهم كل ما يحفظ كرامتهم. ونحن لا نعمم في قولنا هذا.

 

وكوننا بشر، من حاكمنا إلى أصغر موظف في أصغر دائرة، فمن الطبيعي أن يكون هناك نقصان في جانب وربما فيضان في جانب آخر. ونحن لا نجزم بأنه لا توجد ثغرات ولا عيوب في بلدنا أو أننا لا نعاني من أية مشاكل. بالعكس فهناك الكثير من الأمور التي لا بد من وضع الحلول السريعة لها، وعلى رأسها اختلال التركيبة السكانية .

 

والتي بدأت تؤثر سلبا على مجتمعنا، وتوفير الوظائف الكريمة للمواطنين خاصة من الشباب الذين هم أساس وركيزة المستقبل، وتطوير قطاع الصحة العامة والتعليم وغيرها من المسائل.

 

وحلها لا يقع على عاتق الحاكم فقط، بل هي مسئولية الجميع التي تطال الوزراء والوكلاء ومدراء الإدارات وحتى الموظفين الصغار. فالكل يساهم في بناء المجتمع.

 

وقد يكون الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه الجوانب السلبية في مجتمعنا قبل أن تنقلب سلبا على رؤوسنا.

 

ولا شك أن هناك نسبة بسيطة من عدم الرضا. لكننا لا نستطيع أن نرضي الجميع. وإذا كنا نعجز عن أرضاء أفراد البيت الواحد، فكيف يمكن أن نرضي كل سكان الدولة؟

 

للمواطن احتياجاته. ومن حقه المطالبة بها. ولكن يجب أن تكون المطالبة بالطريقة اللائقة. لا أن تتحول إلى شكل من أشكال الاستفزاز. حتى الدول الديمقراطية الغربية المتطورة لا تسمح بالتعبير عن المطالبات بطريقة غير لائقة أو استفزازية.

 

وما نعاني منه في الإمارات يعاني منه الجميع في كل دول العالم. وعندما نقارن أنفسنا بما كنا عليه قبل مائة عام أو حتى خمسين عاما مضت، نجد كم نحن تطورنا مع مرور الزمن، وتعلمنا من أخطائنا وهفواتنا وأصبح الحاكم أكثر قربا من المواطن. وأصبح أكثر فهما وتفهما لمتطلباته واحتياجاته. فلم يتوان عن توفير كل ما يمكن توفيره له ليكون راضيا عن وضعه.

 

في دولة الإمارات، الحاكم يعتبر نفسه مواطنا عاديا يفرح لفرح أخيه ويحزن لحزنه. لذا أصبح حكامنا يمشون في الأسواق ويسيرون في الشوارع ويحضرون أفراح مواطنيهم ويشاركونهم أحزانهم في بيوتهم، دون حرس أو أجهزة أمن أو دبابات أو مدرعات تحميهم من غضب شعوبهم كما يحدث اليوم في معظم دول العالم وليس فقط في الدول العربية.

 

نحن لا نقول ذلك من باب المجاملة أو لأي هدف كان ولم نتعود ذلك أبدا، وإنما من باب قول الحق ومما نراه ونلمسه منهم. لقد كنت قبل وقت قصير في زيارة إلى سمو الشيخ نهيان بن مبارك وزير التعليم العالي الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات وكان ذلك في قصره .

 

وتخيلت أنني لن أستطيع رؤيته أو التحدث إليه بسبب الجمع الغفير الذي كان في انتظار لقاءه وبسبب مشاغله الكثيرة. وإذا به يجلسني بجانبه ويسأل عن أحوالي وكأنني واحد من أبنائه.

 

وفعل الشيء ذاته مع كل من جاء إليه. وتذكرت حينها عندما كنا في زيارة رسمية إلى إحدى الدول العربية والعناء والتعقيدات والإجراءات المعقدة التي واجهتنا لملاقاة أحد المسئولين في وزارة التربية والتعليم هناك، وفهمت لماذا يعيش شعبنا هنا في دولة الإمارات في أمن وسلام وثقة بحكامهم.