كان حلف شمال الأطلسي "الناتو"، منذ الإعلان عن تأسيسه في الرابع من أبريل عام 1949، حجر الأساس في ضمان أمن الغرب وأحد المحاور الأساسية في السياسة الخارجية الأميركية. وقد تغيرت العقيدة القتالية للحلف وخرائط استراتيجياته خلال هذه العقود الستة، استجابة للمتغيرات الدولية وجهة وحجم التهديدات التي تتعرض لها أوروبا وأميركا الشمالية، إلا أن نهاية الحرب الباردة قد جعلت من هذا الحلف مؤسسة تفتقر إلى الأهداف الواضحة التي تبرر بقاءها، فتحول نتيجة ذلك من أداة دفاعية في حقبة الحرب الباردة، إلى أداة هجومية بعد نهايتها.
لكن قدرات الحلف على الاستمرار في أداء دوره الجديد، أصبحت موضع شك في الفترة الأخيرة. فقد كشفت الحملة العسكرية التي يقوم بها الحلف في ليبيا، عن ضعفه وعن شح العتاد المتوافر لديه، وفجرت ما يعتمل في رؤوس القيادات الغربية من قلق حول مستقبله ومستقبل عملياته. ففي عدد يوليو/ أغسطس من مجلة الشؤون الخارجية التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، نشر الأمين العام للحلف أندرس فوغ راسموسن، مقالة تحت عنوان "الناتو يطارد ليبيا"، جديرة بالتوقف عندها لأنها تلقي بعض الضوء على مستقبل هذا الحلف وربما مستقبل النظام العالمي.
ذكر راسموسن في مقالته أن مهمة الناتو في ليبيا كشفت عن ثلاث حقائق مهمة، أولاها خطل تصور البعض بأن مهمة الحلف في أفغانستان هي آخر المهام خارج أوروبا وأميركا الشمالية، فالتهديد لأمن الغرب قد يكمن في مناطق غير متوقعة من العالم. وثانيتها أهمية العمليات التي تتجنب المواجهة المباشرة، فقد أصبحت الأساطيل الجوية والبحرية وأجهزة الرقابة والتخابر والتزود بالوقود جواً، عناصر أساسية في أية مهمة عسكرية معاصرة. وثالثتها أن الناتو ليس عاجزا من الناحية العسكرية، وإذا كان هناك بعض التلكؤ والالتباس في أدائه، فإن ذلك يرجع لأسباب سياسية وليست عسكرية.
ويركز راسموسن في مقالته على أن التحالف بين طرفي الأطلسي، يتطلب المشاركة في تحمل الأعباء والمخاطر، فالتخفيضات الكبيرة في الميزانيات العسكرية في دول أوروبا التي تنتمي للناتو قد وصلت إلى 15%، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدراتها لإدامة عمليات عسكرية في المستقبل. ويأتي إلى أبرز ما في مقالته، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه التحالف كله، والمتمثل في كيفية تلاشي تحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة تضعف أمن التحالف، ويختم بالقول: إن الطريقة التي تستجيب بها أوروبا لهذا التحدي، ستحدد مكانتها وموقعها في النظام العالمي والمستقبل الأمني.
وكان وزير الدفاع الأميركي المنتهية ولايته، روبرت غيتس، قد وجه انتقادات لاذعة إلى الدول الحليفة في الناتو، في العاشر من يونيو المنصرم، في بروكسل، وحذر الدول الأوروبية الشريكة في الحلف من أن اعتمادها على القوة العسكرية الأميركية، قد يضع الحملة على ليبيا ويضع مستقبل الحلفاء في دائرة الخطر. وقد رسم غيتس صورة قاتمة لحالة التحالف، بسبب التقلص المستمر في ميزانيات التسلح، وأشار إلى أن عدداً من هذه الدول لا يشارك في الحملة على ليبيا، ليس لأنه لا يرغب في ذلك بل بسبب عدم وجود القدرات العسكرية الكافية، فهناك نقص في طائرات الاستطلاع ونقص في أجهزة الرصد والمراقبة، وهناك نقص في عدد المختصين، مما يعني أن على الولايات المتحدة أن تتدخل لضمان تعرف طائرات التحالف على أهدافها، وضمان إصابة هذه الأهداف.
فمن مجموع دول الناتو الثماني والعشرين الأعضاء في الحلف، هناك خمس دول فقط تلتزم بالنسبة المئوية المخصصة للإنفاق العسكري وقدرها 2% من دخلها القومي، وهي الولايات المتحدة وألبانيا واليونان وفرنسا وبريطانيا.
استطاعت الإدارات الأميركية المتعاقبة، تبرير الحجم الكبير لميزانياتها العسكرية ومقدار الدعم الذي تقدمه للناتو، بسبب التوترات الدولية خلال حقبة الحرب الباردة، فقد كانت الولايات المتحدة تدفع 50% من ميزانية الناتو، إلا أنه ومنذ عقدين من الزمن زادت المساهمة الأميركية في ميزانية الحلف، لتصل إلى ما يزيد على 75%.
الناتو يقوم بعمليات جوية وبحرية في ليبيا، هي الأولى من نوعها منذ الأزمة الاقتصادية التي ضربت دوله عام 2008، وأجبرت أعضاءه في القارة الأوروبية على إجراء تخفيضات كبيرة في ميزانياتها العسكرية، وقد انعكس ذلك بشكل واضح على أدائه. فالعمليات العسكرية في ليبيا لا تشير إلى كفاءة عالية في الأداء، فبعد أكثر من مئة يوم من حرب ضد نظام معزول شعبياً ولا يمتلك من السلاح ما يمكن مقارنته بسلاح الناتو، لم يحقق هذا الحلف نصراً عسكرياً يذكر.
وعودة على بدء، لم تعد ظروف الولايات المتحدة كما كانت بالأمس، فهي لم تستطع بعد الفكاك من حبال الأزمة الاقتصادية، وهي مجبرة كما فعلت حليفاتها في أوروبا، على تخفيض ميزانياتها العسكرية ومساهمتها في ميزانية الحلف، كما صرح وزير الدفاع الأميركي غيتس، ومن هذا المنطلق يصبح توجيه اللوم لأوروبا في غير محله.
صحيح أن معظم دول الحلف هي من القارة الأوروبية، ولكن من الناحية الواقعية فإن صناع القرار فيه، لا يتجاوزون بضعة صقور لا تعيقهم الظروف المالية التي تعصف ببلدانهم، من أداء دورهم والكشف عن مخالبهم. هؤلاء الصقور هم الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا، أما الدول الأخرى فليس لها أن تقول شيئاً، ومشاركاتها لا تعدو أن تكون لوجستية أو رمزية في أغلب الأحوال. ففرنسا وبريطانيا هما المحرضتان الأساسيتان للتدخل العسكري في ليبيا، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمران بها، خاصة بريطانيا، فقد كانت أول طائرة أغارت على العاصمة الليبية طائرة فرنسية.
ولعل ما يثير الاستغراب في هذا الصدد، هو أن فرنسا التي كانت من أشد المعارضين للحرب على العراق، تضطلع بدور قيادي في عملية ضرب ليبيا، علماً بأن الرئيس الفرنسي في الحالتين من الحزب الديغولي!