يمر العالم اليوم بسلسة متصلة من الأحداث الدولية والإقليمية المتسارعة، حيث تتولى السياسات ووسائل الإعلام المعولمة ووسائل الاتصالات الحديثة، عملية التفاعل مع تلك الأحداث ونقل تداعياتها إلى مختلف أرجاء العالم.

 

لذلك تسعى الدول التي تمتلك روابط سياسية واجتماعية وحضارية واقتصادية مع دول أخرى، إلى تشكيل تكتلات دولية، من أجل مواجهة أزمات عالمية أو إقليمية، قد تأخذ شكل الأزمة السياسية أو الاقتصادية أو الأزمة الأمنية، وحتى الأزمات الطبيعية.

 

لذلك نرى هناك تكتل الدول الآسيوية (الآسيان)، وتكتل الدول الأوربية (الاتحاد الأوروبي)، وغير ذلك كثير من التكتلات الدولية. والهدف من هذه التكتلات يكمن في المواجهة الجماعية للأزمات والتقليل من آثارها، وسرعة التعافي في مرحلة ما بعد الأزمة، إضافة إلى أن التكتلات الدولية تؤدي إلى تقوية فرص الدول في المنافسات الاقتصادية والاستثمارية، في مضمار الاقتصاد العالمي.

 

ونحن في دول الخليج العربية، في مسيس الحاجة اليوم إلى الوحدة الخليجية بكل مضامينها وأبعادها ودلالاتها، وخصوصاً أن تسارع وتيرة الأحداث التي تحيط بنا كل يوم، تدفعنا إلى ضرورة التفكير الجدي في وحدة خليجية على درجة عالية من الرصانة والتنظيم، فنحن نمتلك كل القدرات والإمكانيات لتحقيق الوحدة الخليجية المنشودة.

 

ومما يساعدنا على ذلك وجود الروابط المشتركة بين دول الخليج العربية؛ من دين ولغة وتاريخ وعادات وتقاليد ومصالح مشتركة، فضلاً عن التحديات والتهديدات المشتركة.

 

لكن هناك مبدأ مهما في أي عملية بناء تنموي أو تجارب وحدوية للدول، وهو ضرورة التركيز على إنشاء البنى التحتية أولا، وفق الأهداف الاستراتيجية التي تضعها القيادة الاستراتيجية. والبنى التحتية للوحدة الخليجية، في رأينا، هي الوحدة المجتمعية بين دول الخليج. ورب قائل يقول إن الوحدة المجتمعية جاهزة في الخليج .

 

ولا تحتاج سوى إلى تشريعات وسياسات حتى تدخل حيز التطبيق، ونحن نقول إن المقصود بالوحدة المجتمعية ليس التجانس الاجتماعي، فنحن نريد خلق أواصر التواصل الاجتماعي الخليجي، عن طريق عدة قنوات تعتبر الأساس لكل مجتمع.

 

وتأتي في مقدمة هذه الأسس قطاعات الإعلام والتعليم والثقافة والصحة، فمتى ما أسسنا لوحدة مجتمعية خليجية أولا، فسيكون من السهل علينا جدا التأسيس لوحدة خليجية رصينة ومتماسكة، تعتمد على الوحدة السياسية والاقتصادية والأمنية، إضافة إلى الوحدة المجتمعية التي تعتبر في رأينا، الأساس الأولي لوحدة دول الخليج العربية.

 

وفي هذه المقالة سيتم التركيز على بعدين مهمين، هما الوحدة الإعلامية والوحدة التعليمية، اللتين يمكن أن تتمخضا عن الوحدة الثقافية لدول الخليج العربية.

 

فقطاع الإعلام الخليجي لكل دول الخليج، يمتلك قدرات كبيرة لا تقل في وزنها عن كبريات قطاعات الإعلام في الدول المتقدمة، فماذا لو توحدت هذه القطاعات وأعيدت عملية برمجتها ضمن استراتيجية إعلامية خليجية موحدة؟

 

نحن نحتاج لأجل الوحدة الخليجية الإعلامية، إلى قناة إخبارية خليجية ذات وزن عالمي، بما تمتلكه من قدرات ووسائل انتشار عالمية، ولنا أن نتصور ماذا سيحدث لو اتحدت قنوات الجزيرة والعربية وأبوظبي ودبي في قناة إخبارية واحدة، لتمثل صوت الخليج العربي ورؤيته نحو العالم.

 

وفي جانب آخر، نحتاج لأجل الوحدة الإعلامية الخليجية، إلى السعي لتوحيد الدراما الخليجية ضمن أعمال درامية مشتركة، تخصص لها المؤسسات والميزانيات، حتى تسير الدراما الخليجية جنباً إلى جنب مع القنوات الإخبارية الخليجية، فضلا عن تشجيع إقامة المهرجانات والمنتديات الخليجية ذات الطابع الفني والأدبي.

 

ويكون ذلك أروع لو أعطي دور لمؤسسات المجتمع المدني في الخليج العربي، في تفعيل النشاطات الشعبية بين المجتمعات الخليجية، ضمن المنظور الإعلامي الخليجي الموحد.

 

أما في قطاع التعليم، فيجب أولا تشكيل لجان فنية مشتركة، وبإشراف الأمم المتحدة (اليونسكو)، لتطوير مناهج التعليم في الخليج وتوحيدها، وإيجاد الآليات لتحديث هذه المناهج وفق أحدث الأسس العلمية.

 

أما على مستوى التعليم العالي، فتحتاج المنظومة التعليمية الخليجية إلى التوأمة الجامعية بين دول الخليج، من خلال تفعيل تبادل الخبرات بين الأساتذة والخبراء، وتفعيل عمليات التبادل الثقافي للطلاب ضمن دول الخليج العربي.

 

وإن كنا نفضل إنشاء جامعات خليجية موحدة، كأن تكون جامعة الخليج أو جامعة الجزيرة العربية، ويتكون طاقمها الإداري والتدريسي من دول الخليج حصراً، ويدرس فيها أبناء الخليج والمقيمون فيه، إلا أن التوأمة الجامعية يمكن أن تكون الخطوة الأولى لعملية إنشاء الجامعات الموحدة.

 

ومما يدعم قطاع التعليم الخليجي الموحد، قطاع البحث العلمي، فمؤسسات التفكير الاستراتيجي الخليجية تحتاج هي الأخرى إلى مأسستها خليجياً، للاستفادة من تلاقح الأفكار الخليجية، ضمن رؤى فكرية متنوعة يمكن أن ترسم استراتيجيات وسياسات خليجية للمستقبل.

 

فالتنوع الفكري يدمج مع بعضه، لنستخلص منه عصارة الأفكار البناءة، التي تحقق الأهداف الاستراتيجية لمنظومة الخليج العربي.

 

الوحدة الإعلامية والتعليمية لدول الخليج، يمكن أن تتمخض عن الوحدة الثقافية الخليجية إذا ما سارا في اتجاه علمي ممنهج، فاليوم أصبح بناء الثقافات أو هدمها يعتمد كثيراً على الإعلام بأبعاده المتنوعة، ومنظومات التعليم بمستوياتها المختلفة.

 

إذن، علينا أن نمضي قدماً في توحيد وسائل إعلامنا الخليجية ثم توحيد منظوماتنا التعليمية، على أمل إنتاج الثقافة الخليجية المشتركة، التي ستؤسس بلا شك إلى الوحدة الاستراتيجية لدول الخليج العربي.

باحث إماراتي في العلاقات الدولية ـ لندن