كثيراً ما أسأل طلبتي ذكوراً وإناثاً عن مجال العمل الذي سيتوجهون إليه بعد تخرجهم، وكثيراً ما تكون الحيرة بادية على وجوههم، فهم قد تخصصوا في العلوم الاجتماعية (من اجتماع وعلم نفس وجغرافيا وسياسة وإعلام)، وهي تخصصات ضاق مجال العمل أمامها، اللهم إلا التخصص الأخير وهو الإعلام.
ولم يثن ضيق مجال العمل لهذه التخصصات كثرة المتجهين للتخصصات الإنسانية والأدبية في الثانوية العامة، حيث تظهر نتائج امتحاناتها النهائية لهذه السنة تساوي (أو ربما تفوق) أعداد الأدبي على العلمي.
وهؤلاء بالطبع سيتجهون إلى الجامعة التي ضاقت بما رحبت بأعدادهم، فجامعة الكويت، على حد قول مستشار مديرها للشؤون العلمية، تضم 30 ألف طالب وطالبة، وهي المخصصة لاستقبال 24 ألفاً فقط!
(الجريدة، 11 يناير 2011). وكم أكون سعيداً حينما أدخل بنكاً من البنوك، أو شركة تأمين أو إحدى الشركات الاستثمارية أو غيرها، وأجد أحد طلبتي عاملاً فيها. فهذا الشخص قد قرر تغيير مسار حياته من الاستمرار في العمل "بشهادته"، وفقاً للتخصص الذي أنفق سنوات عمره الجامعي فيه، إلى مجال آخر، مختلف ولكنه أرحب ومستقبله أكثر إشراقاً، وفيه تحدٍ ويتطلب التزاماً واستعداداً للبذل، وتكون حصيلته الترقي في السلم الوظيفي نتيجة الكفاءة والعطاء والتميز، وليس بالأقدمية والولاء والنسب.
وفي العادة أدخل مع هؤلاء في نقاش ودي، فأسمع كلمات الرضى والقبول تخرج من أفواههم، وأرى علامات الجد والاجتهاد مرسومة على محياهم.
والحق أن ثمة توجهاً واضحاً بين الشباب الكويتي نحو العمل في القطاع الخاص، وإن كان هذا التوجه لا بد له من مزيد من التشجيع والمؤازرة.
فالأرقام تشير إلى أن أعداد هؤلاء قد تضاعفت خلال خمس سنوات، من ثلاثين ألفاً تقريباً عام 2005 إلى أكثر من خمسة وسبعين ألفاً في نهاية السنة الماضية. ساعد على هذا التوجه قانون صدر في العام 2000، يدعم العمالة الوطنية ويمنحها المزايا نفسها التي يتمتع بها موظفو القطاع العام.
ويتركز معظم هؤلاء في قطاع البنوك والاتصالات والشركات الاستثمارية والبورصة. وتشير الإحصائيات إلى أن المرأة الكويتية تحرز تقدما في هذا القطاع، إذ قفزت نسبتها من 27% إلى 50% في نفس الفترة.
هؤلاء استطاعوا أن ينفذوا بجلدهم، من أن يكونوا ضمن جيش جرار من الذين ابتغوا "الوظيفة الحكومية". وبالطبع، لا عيب في العمل الحكومي، شريطة أن يكون العمل في وظيفة منتجة يحتاجها المجتمع وتسد فراغاً قائماً، بحيث يشعر الموظف بأنه يقوم بعمل نافع، يرد فيه جزءاً مما قدمه له مجتمعه على شكل تعليم وعلاج وإسكان وغيرها من ضرورات الحياة التي توفرها "دولة الرفاه"، فضلاً عن حصوله على المرتب.
أما أن يكون "التوظيف" عبارة عن استيعاب لطاقات المجتمع الباحثة عن العمل، ونوعاً من توزيع الثروة و"بطالة مقنعة"، فهذا ما يوجب إعادة النظر فيه.
الأرقام تتحدث أنه في العام 2010 كان عدد العاملين في الجهاز الحكومي هو 263 ألفاً و586، ينقسمون إلى 197 ألفاً و555 كويتياً و66 ألفاً و31 غير كويتي. ومن الملاحظ أن النساء الكويتيات يتفوقن عددياً على الكويتيين، فعددهن 113 ألف موظفة مقابل 84 ألف موظف كويتي.
ولو دققنا في توزيع العمالة في أي وزارة من وزارات الدولة، لوجدنا أن أغلبية المواطنين يعملون في الأعمال الإدارية (التي تعبر في جزء منها عن ظاهرة البطالة المقنعة)، في حين يعمل الوافدون في الأعمال الفنية والتخصصات التقنية التي لا غنى عنها للمجتمع والدولة.
إن القطاع الخاص ينشد الربح، وبالتالي فالعمل فيه يختلف من حيث طبيعته عن العمل الحكومي كما نعهده عندنا، والإنتاجية فيه عالية، حيث يستفاد من طاقة العاملين فيه أقصى استفادة. وهو فوق هذا وذاك، يتعرض لتقلبات السوق من حيث العرض والطلب والانكماش والانتعاش .
وبالتالي تعرض العاملين فيه إلى الاستغناء الجزئي أو الكلي عن عملهم، بمعنى تعرضهم للبطالة. وهذه الحالة شعر بها أول مرة بعض الكويتيين العاملين في الشركات الاستثمارية، التي تقلصت أعمالها نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية، وبالتالي قامت بتسريح بعض عمالتها، ومنهم بضع مئات من الكويتيين.
ولعل هذه الناحية (عدم توافر الأمن الوظيفي) إحدى النواحي التي لا بد من دراستها ووضع الحلول لها، وذلك تشجيعاً للشباب على ولوج القطاع الخاص.
وثمة ثغرة أخرى لاحظناها في تجربة الكويت في تطبيقها لقانون دعم العمالة الوطنية، وهي "التوظيف الوهمي"، وذلك رغبة في الاستفادة من المزايا التي تقدمها الدولة.
وقد كشف عنها الأمين العام لبرنامج إعادة الهيكلة للجهاز التنفيذي للدولة د. وليد الوهيب، الذي أكد أن الدولة استرجعت مبلغ مليون دينار صرفت من غير وجه حق لهذه الفئة (القبس، 9 فبراير 2011).
لا بد من خلق الفرص أمام شبابنا، وتشجيعهم على خوض تجربة العمل المنتج أينما وجد.