الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما الأسبوع الماضي بخصوص أفغانستان، له علاقة وثيقة بالأوضاع في أميركا، لا الأوضاع في أفغانستان. فالخطاب موجه للرأي العام الأميركي، وأهدافه داخلية لا خارجية، بل ويعكس الصراع الدائر داخل الإدارة الأميركية بشأن أفغانستان، والذي من شأنه أن يعرقل تنفيذ ما أعلنه أوباما في الخطاب أصلا.
فالرئيس الأميركي أعلن في ذلك الخطاب عن سحب 10 آلاف من القوات الأميركية في أفغانستان، و23 ألفاً مع حلول صيف 2012، على أن تتم جدولة انسحاب باقى القوات بعد عام 2012، وهو الأمر الذي لا يمثل في الحقيقة تحولا جوهريا في السياسة الأميركية في أفغانستان.
فالرقم الإجمالي للقوات التي سيتم سحبها من أفغانستان من الآن وحتى 2012، والتي تبلغ 33 ألف جندي، تقل في الواقع عن إجمالي ما أرسله أوباما من قوات لأفغانستان منذ توليه. فبعد تنصيبه رئيسا بأسابيع قليلة، اتخذ أوباما قراراً بإرسال 21 ألف جندي، لينضموا إلى الثلاثين ألفا الذين كانوا بالفعل في أفغانستان منذ عهد بوش، ووعد أوباما وقتها بإجراء دراسة شاملة للوضع في أفغانستان.
ورغم أن تلك الدراسة استغرقت وقتا طويلا للغاية، إلا أنها انتهت إلى العودة للمنهج نفسه، أي إرسال المزيد من القوات، فتم إرسال 33 ألفاً إضافية، ليصل إجمالي عدد القوات الأميركية هناك إلى 100 ألف. لذلك، فعندما يسحب أوباما 33 ألفاً من الآن وحتى نهاية 2012، فإنه يكون بذلك قد خفض العدد إلى 70 ألف جندي، وهو مستوى أعلى بكثير من حجم القوات الأميركية في أفغانستان حين تولي أوباما الحكم.
والواضح أن أوباما الذي صارت أولويته الأولى اليوم هي إعادة انتخابه في نوفمبر 2012، قد وجد نفسه إزاء رأي عام يزداد رفضه للوجود الأميركي في أفغانستان. فبعد أن كان هناك 12% فقط من الأميركيين يرفضون الاحتلال الأميركي لأفغانستان في 2001، وصل عدد الرافضين اليوم إلى أكثر من 64%.
ومن هنا كان على أوباما أن يعيد النظر في سياسته في أفغانستان، بما يتناسب مع توجهات الرأي العام، دون أن يعطي فرصة لخصومه الجمهوريين لاتهامه بأنه من الحمائم في أمور الدفاع، بما "يعرض الأمن الأميركي للخطر". وكان المطلوب بالتأكيد الإعلان عن الخطة الجديدة مبكرا، حتى يتسنى تنفيذ بعض بنودها قبل انتخابات الرئاسة في نوفمبر 2012.
لكن صراع الصقور والحمائم كان قد بدأ بالفعل داخل إدارة أوباما نفسها، بخصوص أفغانستان، ووصل لذروته قبل خطاب أوباما الأخير. ففريق الصقور الذي يضم ديفيد بترايوس، القائد العسكري الميداني في أفغانستان والمرشح مديرا لوكالة المخابرات المركزية، ومايك مولن رئيس الأركان، وهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية، يرفض التخفيض الواسع للقوات، بل وسرعة سحبها من أفغانستان، بينما يضغط بقوة الفريق الثاني الذي يضم نائب الرئيس جوزيف بايدن، ومستشار الأمن القومي توم دونيلون، من أجل سحب المزيد من القوات وبسرعة.
والحقيقة أن هذا الصراع يمثل امتداداً لصراع الفريقين في ما سبق، حول استراتيجية الولايات المتحدة في أفغانستان. فعندما طلب أوباما دراسة شاملة للوضع في أفغانستان في بداية حكمه، كان الفريق الأول يريد تبني استراتيجية "مكافحة التمرد"، وهو التعبير الذي صار يعني منذ حرب فيتنام، تبني سياسة اليد العسكرية الثقيلة على الأرض، والتي تتسبب في قتل الآلاف من المدنيين، بينما يتبنى الفريق الثاني استراتيجية "مكافحة الإرهاب" التي لا تقوم على إرسال القوات الأميركية، وإنما على تضافر الجهود الأمنية والاستخباراتية والعسكرية.
لكن أوباما انحاز لرأي فريق الصقور في إدارته، إذ حقق لهم أغلب ما طالبوا به، وإن لم يلزم نفسه بالسرعة التي اقترحوها لسحب القوات. وهو قرار يسير على نهج أوباما في اتخاذ القرار، والذي يميل لاتخاذ موقف الوسط، مع بعض الميل نحو اليمين. وكانت النتيجة أيضا، كما حدث في مرات كثيرة سابقة، أنه لم يرض أنصاره ولا حتى خصومه.
وعلى ذلك، فبينما لم يتضح بعد ما إذا كان قرار أوباما بسحب القوات سيساعده في تدعيم موقفه الانتخابي، فإن هناك مؤشرات تدل على أن القرار بصيغته التي حملها الخطاب، سوف يفتح الباب أمام معوقات قد تعرقل أصلاً انسحاب ذلك الحجم الضئيل من القوات.
فرغم أن موقف أوباما كان منحازا لفريق الصقور في إدارته، إلا أن مايك مولن وديفيد بترايوس انتقدا قرار الرئيس علناً، واعتبرا أن من شأنه أن "يمثل عقبة في وجه تنفيذ القوات الأميركية لكل أهدافها". ورغم أن اعتراض العسكريين علنا على قرار "القائد الأعلى للقوات المسلحة" يمثل سابقة خطيرة، إلا أن الأهم من ذلك هو أن مايك مولن، من خلال موقعه كرئيس للأركان، وديفيد باتريوس من خلال موقعه الجديد كمدير لوكالة المخابرات المركزية، بإمكانهما التحالف ضد فريق البيت الأبيض- بايدن/ دونيلون- لعرقلة خطة أوباما في أفغانستان.
والتحالف بين البنتاغون والمخابرات المركزية صار منذ فترة مثيرا لقلق المراقبين، لأنه وصل إلى مستويات محت الخط الفاصل بين العسكريين والجواسيس. وبإمكان البنتاغون أيضا أن يعوض على الأرض القوات التي يريد أوباما سحبها، عبر زيادة عدد الذين تتعاقد معهم من المرتزقة، والذين وصل عددهم بالفعل في أفغانستان إلى 100 ألف، الأمر الذي يعقد الوضع في أفغانستان أكثر، خصوصا أنه لا أحد يحاسب هؤلاء على الجرائم التي يقترفونها.
معنى كل ذلك أن الوضع في أفغانستان لا يحكمه في الواقع ما يدور على الأرض هناك، وإنما يحكمه ما سوف يسفر عنه الصراع الدائر الآن بين البيت الأبيض من ناحية، وبين البنتاغون والخارجية، مضافا إليهما في القريب العاجل، وكالة المخابرات المركزية بتولي بترايوس رئاستها من ناحية أخرى.