بعد مخاض عسير ولدت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية، فاستبشراللبنانيون بمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والأمني. لكن المعارضة تنبأت بقصر عمر الحكومة، لأنها ستواجه عقبات كثيرة أبرزها عقبة البيان الوزاري، وما إذا كان سيتضمن نصا واضحا بدعم المقاومة على قاعدة مزدوجة: ضمان «تحالف الشعب والجيش والمقاومة»، والاعتراف بالمحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

وقد توقفت لجنة صياغة البيان الوزاري فعلا عند هاتين العقبتين، لأن قوى داعمة للحكومة تدافع بقوة عن المقاومة وتتجاهل المحكمة، في حين تدعم المعارضة المحكمة بقوة وتشكك في المقاومة، وتخشى على لبنان من عزلة دولية في حال تجاهل المحكمة وتمسك بالمقاومة.

لذلك تجند الرئيس ميقاتي لإيجاد حل وسطي، وبالتعاون مع حلفائه الوسطيين الجدد، للخروج ببيان وزاري يرضي الموالاة والمعارضة، ويؤمن الاستقرار لحكومته كي تعمل بفاعلية لفترة قد تطول حتى الانتخابات النيابية القادمة في العام 2013. فإدراج نص في البيان الوزاري عن المحكمة الخاصة بلبنان، والتي أنشئت بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن، مسألة مهمة لأنها تطال صدقية الحكومة اللبنانية في الحفاظ على تعهداتها الدولية، وهي تنتظر صدور البيان الاتهامي عن المدعي العام الدولي، لتنفذ واجباتها المنصوص عليها في نظام المحكمة.

في المقابل، يشكل «تحالف الشعب والجيش والمقاومة» العمود الفقري للقوى المتحالفة والداعمة للحكومة، بعد أن تحولت المعارضة السابقة إلى موالاة، وبالعكس. وذلك يطرح تساؤلات كثيرة حول قدرة الحكومة على التمسك بالمقاومة وفق صيغة الموالاة، وتحديدا حزب الله، فهو يعتبر أن أرض فلسطين شكلت مركز انطلاق المشروع الصهيوني، فتسارع بناء المستوطنات اليهودية على أرضها منذ القرن التاسع عشر. وكان لبنان وما زال في دائرة المشروع الصهيوني لبناء إسرائيل الكبرى بين الفرات والنيل.

سمحت إدارة الانتدابين الفرنسي والبريطاني، بتحويل أجزاء واسعة من أراضي فلسطين وجوارها إلى مستوطنات صهيونية، تكاثرت بسرعة مذهلة إبان فترة ما بين الحربين العالميتين. ومع زيادة المستوطنات برزت تنظيمات عسكرية صهيونية مدربة أفضل تدريب ومزودة بأحدث الأسلحة، لكي تتولى إدارة فلسطين بعد حرب عربية ـ صهيونية لم يستعد لها العرب، فانتهت باحتلال إسرائيل لكامل فلسطين، وألغت مفعول قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 15 مايو 1947 لإقامة دولتين؛ واحدة للعرب وأخرى لليهود.

تذكر قوى الموالاة الجديدة بأن دولة إسرائيل ولدت من طريق اغتصاب أراضي فلسطين وتهجير سكانها. وما زالت إسرائيل الوحيدة بين دول الأمم المتحدة التي لا حدود نهائية لها، ولم تنفذ أيا من قراراتها، ولم تلق عقابا من المجتمع الدولي، بل دعما غير محدود من الولايات المتحدة الأميركية وغالبية الدول العظمى. وبأن المشروع الصهيوني يتجاوز فلسطين إلى لبنان وباقي دول الجوار الإقليمي، في محاولة لإقامة إسرائيل الكبرى، مع حضور ثابت للمسألة اللبنانية في جميع المخططات الصهيونية.

وتؤكد وثائق الحركة الصهيونية على أن احتلال إسرائيل للأراضي العربية المجاورة لفلسطين، ومنها الأراضي اللبنانية، واجب مقدس تمليه الأهداف الاستراتيجية العليا للصهيونية العالمية. لذا لم تنسحب إسرائيل من أية مستوطنة صهيونية أو أية بقعة احتلتها، إلا بصورة شكلية ومقابل تنازلات تفوق كثيرا حجم الانسحاب. ويعتبر الانسحاب في نظر المتشددين الصهاينة، خيانة لا تغتفر لتعاليم التوراة التي حسمت الجدل بضرورة السيطرة على كامل أرض الميعاد.

وترى القوى المؤثرة في في صياغة البيان الوزاري، أن إسرائيل رسمت دوائر استراتيجية لحماية وجودها في هذه المنطقة. فالدائرة الأولى هي فلسطين، أرض اليهود التاريخية حيث بنت عليها ركائز ثابتة للمشروع الاستيطاني الصهيوني في المشرق العربي. واعتمدت سياسة الاحتلال والتمركز على المفاصل الجغرافية الرئيسية في الدائرة الثانية، التي تضم الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل. ومنعت أي تسلح استراتيجي يشكل خطرا على أمن إسرائيل، في الدائرة الثالثة التي تضم بلاد العرب، وتمتد حدودها إلى إيران وباكستان وغيرهما.

لقد تداخلت استراتيجية إسرائيل العسكرية لدرجة التطابق مع استراتيجية الدول الإمبريالية الغربية في هذه المنطقة، خاصة الأميركية منها، وجعلت في رأس أهدافها إبقاء تفوقها النوعي الدائم على الجيوش العربية مجتمعة.

وامتلكت بعد سنوات قليلة على قيامها، أسلحة نووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل التي تفتقر إليها الجيوش العربية. وولد المشروع الصهيوني بالتوافق مع مشاريع إمبريالية عالمية في المشرق العربي، لتجميع بضعة ملايين من يهود العالم على أرض فلسطين، ما ساعد على تحويل إسرائيل إلى قوة عسكرية وتكنولوجية ومالية وإعلامية، تتحكم في مصير الشرق الأوسط، سلما أو حربا، على غرار اللوبي الصهيوني الذي يتحكم في سياسة الولايات المتحدة الأميركية منذ عقود طويلة.

وتعتمد الحركة الصهيونية سياسة براغماتية تتبدل في كل مرحلة، فاللوبي الصهيوني يتحكم في مصير دول عظمى ومعها غالبية دول الشرق الأوسط، ما سمح للحركة الصهيونية بسهولة الانتقال من شعارات الحرب إلى شعارات السلام. وهي تعمل حاليا على تحقيق إسرائيل الكبرى، من خلال السيطرة الاقتصادية والمالية والإعلامية والثقافية على الشرق الأوسط الجديد، المزمع إقامته كملحق بالنظام العالمي الذي يقوده القطب الأميركي منفردا.

لذلك أخذت أطراف فاعلة في الحكومة الجديدة، على عاتقها حماية المقاومة المسلحة التي تمتلك أكثر من أربعين ألف صاروخ منتشرة على الأراضي اللبنانية. وليس بمقدور أية حكومة في لبنان أن تتصدى للمقاومة أو تحاول انتزاع سلاحها، طالما أن إسرائيل تشكل خطرا داهما على لبنان واللبنانيين.

وفي وقت تنصرف فيه حكومة ميقاتي إلى إعداد بيانها الوزاري، برز في 26 يونيو 2011 تهديد إسرائيلي مفاجئ للبنان، في نهاية مناوراتها الأخيرة «نقطة تحول 5». فلوحت إسرائيل بشن عملية عسكرية واسعة النطاق على جنوب لبنان، في حال طرأ تدهور على الأوضاع الأمنية في المنطقة، واتهمت «حزب الله» بأنه حول غالبية قرى الجنوب اللبناني إلى «قرى متفجرة».

في المقابل، ما زال قادة لبنان يبحثون عن خارطة طريق يتبناها البيان الوزاري الجديد، تتجاوز الطائفية والمذهبية، وتؤسس لمقاومة وطنية قادرة على حماية وطنهم في محيط عربي وإقليمي متفجر. فلبنان اليوم بحاجة ماسة إلى ثقافة وطنية جامعة، للخروج من دائرة نزاعات أهلية شوهت وعي اللبنانيين.

فقد تقاتلوا على خلفية مذهبية ضيقة، وتحول سلاح المقاومة إلى مصدر انقسامات داخلية حادة. لذلك تتخوف حكومة ميقاتي الوسطية، من مخاطر تجدد تلك النزاعات بعد صدور بيان وزاري يؤكد على تحالف الشعب والجيش والمقاومة من جهة، أو يتجاهل البيان الاتهامي المتوقع صدوره قريبا عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، من جهة أخرى.