على الرغم من إقرار معظم المنغمسين في ملف التسوية الفلسطينية، بحل الدولتين؛ إسرائيل وفلسطين وفقاً لحدود 1967، مع خلافات حول تفصيلات شكلية وجوهرية داخل هذا الإطار العام، إلا أن هناك من يصر على استدعاء ما اشتهر بالخيار الأردني، كخطة مثلى لمعالجة هذا الملف وإغلاقه نهائياً.

بالنظر إلى تواريه وقلة تداوله إلى حد بعيد، في غمرة جهود التسوية خلال العقدين الأخيرين، كدنا نحسب أن هذا الخيار قد تم نسيانه إلى درك الأفول والاندثار.. كيف لا ونحن نلحظ غيابه عن أبرز مرجعيات هذه الجهود طوال هذه الحقبة: كالقرارين 242 و338، ومبدأ الأرض مقابل السلام، واتفاق أوسلو وتوابعه، ومبادرة السلام العربية، وأفكار اللجنة الدولية الرباعية.

ورؤى الرئيسين الأميركيين بوش الابن وباراك أوباما، وجولات التفاوض الفلسطينية ـ الإسرائيلية المتقطعة والمملة.. وفي الوقت الراهن، تعلن القيادة الفلسطينية عزمها على طرح الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة، وطلب عضويتها في الأمم المتحدة، دون الاستطراد إلى أي معلم يربطها بالأردن شرقاً أو إسرائيل غرباً.

هذه المعطيات تبدو مجافية لحالة التلازم، ربما إلى درجة الارتباط العضوي بين مستقبلي الأردن وفلسطين، التي شغلت مقاربات التسوية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. وقد يثير دهشة البعض أن الخيار الأردني أخذ لدى أطراف الصراع الإسرائيلي ــ العربي معاني ومضامين مختلفة، وتم التطرق إليه واستحضاره من لدنهم، لأهداف متباينة أيضاً. فهو يتطرف عند البعض إلى درجة تحويل الأردن بكامله إلى كيان فلسطيني.

إما بهدف تعويض الفلسطينيين عن بلدهم الذي ينبغي عليهم هجرانه إلى الأبد، وإما بقصد اتخاذها قاعدة انطلاق لتحرير فلسطين بكاملها وأيضاً إلى الأبد. وهو عند غلاة الصهاينة يعني ضم الأردن برمته، فضلاً عن فلسطين، إلى حوزة إسرائيل الكبرى.

ويذهب آخرون إلى أن هذا الخيار يقوم على إبرام اتحاد فيدرالي أردني فلسطيني، يرضي طموحات الفلسطينيين في كيان سياسي، ولا يطوي الكيانية الأردنية. وإلى هؤلاء جميعاً ثمة من يتخيل إمكانية أن ينخرط الأردن وفلسطين وإسرائيل في صيغة اتحادية ما، تشبع طموحات الكيانات الثلاثة وتنهي التعارضات والإحن الظاهرة والخفية بينهم..

لا ندري ما الذي جعل ميشيل فولفوزن يستحضر مؤخراً بعض هذا التراث، شبه المهجور والمتقادم، وهو يقترح حلاً يراه ناجعاً للمسألة الفلسطينية. وفولفوزن أستاذ للتاريخ الحديث في جامعة الجيش الألماني، وشخصية يهودية نافذة ومرموقة في عموم ألمانيا. وموجز فكرته «.. تحويل المملكة الأردنية إلى جمهورية اتحادية تتكون من ثلاث وحدات، هي شرق الأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. على أن يتاح لسكانها انتخاب برلمان مشترك وحكومة واحدة..».

وبعد أن يستقر حال الفلسطينيين في هذه الجمهورية، يطمح فولفوزن إلى توسيعها بانضمام إسرائيل، لتصبح اتحاداً كونفيدرالياً ثلاثياً.. ثم «.. يخير الفلسطينيون داخل إسرائيل (عرب 48) بين التصويت للبرلمان الفلسطيني الأردني أو البرلمان الإسرائيلي».

تكمن ميزات هذا الحل، من وجهة نظر صاحبه، في اختفاء مشكلات الحدود بين الكيانات المعنية، ومنح 300 ألف مستوطن يهودي في الضفة، فرصة العيش كإسرائيليين داخل الكيان الأردني الفلسطيني، وزوال شكوى اللاجئين الفلسطينيين في الأردن من الغربة أو التمييز السياسي.. والأهم، في زعمه، أن الحكم الأردني سيتخلص من خطر اندلاع «حرب أهلية» بين شقية السكانيين؛ الفلسطيني والأردني، وسيتمكن العرش الملكي من منع حدوث انفجار قادم داخل المملكة، قد لا يكون بعيداً، بسبب انعكاسات الثورات العربية المتفاعلة من حولها.

بهذا الطرح، ربما أراد المؤرخ اليهودي توسيع دائرة التفكير والبدائل أمام المهمومين بحل المعضلة الفلسطينية، في ضوء حالة التعسر والاستعصاء القائمة. ولا نستبعد أن يكون المصدر الملهم لهذه المبادرة، هم أصحاب مدرسة التسوية، الراغبون في تحقيق اختراقات وطرق التفافية لمعالجة قضية اللاجئين. فالأردن الملتحم لوجستياً وسياسياً بفلسطين، ربما تكفل بإرضاء أشواق الاستقرار لدى زهاء نصف كتلة اللاجئين، بعيداً عن العودة إلى مساقط رؤوسهم داخل إسرائيل، أو هكذا يضمر المقترح!

ولكن، مهما كانت مرامي هذا المقترح وأبعاده في هذا التوقيت، فإنه يهمل الإجابة عن تساؤلات بالغة الجدية والضراوة، منها بلا حصر؛ ما مصير النظام الهاشمي في ظل البناء الجمهوري الذي يدعو إليه بين الأردن وفلسطين؟ وكيف يمكن التوفيق بين الزعم بأن هذا الخيار ينقذ الملك الأردني وبين كون الفيدرالية المراد إنشاؤها ذات طبيعة جمهورية؟

وماذا عن موقف الشريك الإسرائيلي في الاتحاد الثلاثي، إذا ما اتجه شطر واسع من اللاجئين للسكنى والإقامة في مساقط رؤوسهم التي هجّروا منها عنوة في سياق الصراع منذ 1948 إلى يومنا هذا؟ وهل ستقبل إسرائيل بالقدس عاصمة للعضو الفلسطيني في الاتحاد الثنائي أو الثلاثي؟ ثم ألا يتعارض هكذا اقتراح مع إصرار الإسرائيليين على يهودية دولتهم؟!

والحال كذلك، ثمة عشرات من الأسئلة والقضايا التي تفتح أبواباً لشياطين التفصيلات، وتسوق هذا المقترح إلى التحليق في العالم النظري، وليس إلى أبعد من ذلك.. ومع هذا لا تجدر تنحية الخيار الأردني، بمعناه الذي يربط فلسطين بالأردن بصيغة اتحادية فيدرالية أو كونفدرالية. لكن الشرط الشارط لواقعية هذا التصور في تقديرنا، هو قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، التي عليها أن تقرر بإرادتها الحرة الخطوة التالية.. تماماً كما أن الكيان الأردني حر في اجتراح الكيفية التي سيلاقي بها هذه الخطوة.