لا أهدف مما سأكتبه تشهيراً بحالنا الثقافي ولا إضعافاً (لشعورنا القومي) ولا تسبباً (بوهن الأمة) أو استعراضاً لواقعها المر وحالها الرديء، وإنما هي محاولة للإشارة إلى الخلل ونقاط الضعف، ومعرفة الأسباب، ولفت انتباه ذوي العلاقة و(الشأن) إلى التدهور الثقافي الذي وصلنا إليه، والخطر الذي تواجهه ثقافتنا في عصر العولمة، عصر الاختراق الثقافي والغزو ونشر أنماط الحياة الاستهلاكية وثقافتها. فيما تلعب الثقافة دوراً مهماً جداً في الحفاظ على هوية الأمة وقيمها ومكانتها في بناء الحضارة الإنسانية، ويحتل الكتاب ركناً من أركان الثقافة ومكوناً أساسياً من مكوناتها.

نشرت المكتبة الإسرائيلية أرقاماً إحصائية عن الكتاب في إسرائيل في الأسبوع الماضي، بما اقتضى المقارنة مع إحصائيات الكتاب العربي، باعتبار أن التفاوت الثقافي هو واحد من مؤشرات الخلل الاستراتيجي بين العرب وإسرائيل، وأنوه هنا إلى أن الأرقام المتعلقة بالإحصاءات العربية تمثل المتوسط العربي بمجمله، أي أن إحصائيات بعض البلدان العربية قد تكون أفضل من الأرقام التي أستشهد بها وقد تكون أرقام بلدان أخرى أسوأ.

تقول الإحصاءات أن إسرائيل وسكانها (6) ملايين نسمة تنشر حوالي (7500) عنوان سنوياً بمعدل (20) كتاباً في اليوم. بينما تنشر البلدان العربية بكاملها وسكانها (300) مليون نسمة (5000) عنوان سنوياً أي بمعدل (15) كتاباً في اليوم وعنوان لكل (60) ألف نسمة، وينتج العرب (1%) من الإنتاج العالمي للكتاب بينما نسبتهم تصل إلى (5%) من عدد سكان العالم. ويبلغ مجموع ما أصدره العرب خلال تاريخهم مائة ألف عنوان أي بقدر ما تنشره إسبانيا في عام واحد، ويقرأ الأوروبي (35) كتاباً في العام بينما يقرأ كل (58) عربياً كتاباً واحداً. مع أن المتوسط العالمي للقراءة هو (24) كتاباً للفرد. وفي الخلاصة لاتزيد قراءة الفرد العربي من الكتب عن ربع صفحة في العام، أي عشرة دقائق فقط.

تبيع الكتب في البلدان العربية بمبلغ عشرة ملايين دولار سنوياً، أي بمعدل (30) سنتاً للفرد الواحد. بينما تبلغ قيمة مبيعات الكتب في الاتحاد الأوروبي (15) مليار دولار، أي بمعدل (38) دولاراً للفرد الواحد. ويقع العرب في مؤخرة المجموعات الإقليمية في مجال الثقافة والصحافة ومنتجاتهما باستثناء المجموعات الإفريقية، وقد يقود الاسترسال في سرد الأرقام إلى ما يشبه الفضائح، خاصة في مجال صناعة مواد الثقافة (الورق، الأحبار، المطابع، الأقلام، الأفلام، أجهزة التصوير والتلفزيون والراديو) التي يستورد معظمها.

إن العرب، هم أمة اقرأ. فأول كلمة في التنزيل الحكيم كانت كلمة (اقرأ)، وفي صدر الدولة العباسية (عهد المأمون) ترجموا وكتبوا وأسسوا المكتبات، وتباهوا بالتأليف وبملكية الكتب، وكان سياسيوهم يبحثون عن كُتاب ومثقفين ليستكملوا شرعيتهم وليؤكدوا دورهم الثقافي ويباروا الحكام الآخرين في افتخارهم بخدمة الثقافة، ورغم الانهيار السياسي العربي وتمزق الأمة في القرن الرابع الهجري فقد نهضت الثقافة (والحضارة) في هذا القرن نهوضاً استثنائياً قياساً على معطيات ذلك العهد (والمفارقة أن هذا النهوض حصل على أيدي بني بويه)، وهذا يؤكد أن التخلف ليس من طبيعة الأمة أو ثقافتها وإنما يكمن في الشرط الموضوعي الذي يحبط بها. ولسوء الحظ لم تنتبه لا أنظمتنا السياسية ولا مجتمعاتنا إلى التدهور الثقافي، ولم تحاول معالجة الظاهرة، باستثناء إجراءات شكلية استعراضية معاصرة (كما هي حال كثرة معارض الكتب والجوائز) التي لا تفيد الثقافة فائدة جدية.

يعود تدهور الكتاب بجزء منه لعدم تفرغ الكّتاب والمبدعين والأدباء واضطرارهم للعمل بأكثر من مجال لتأمين عيشهم، مما يؤدي إلى استعجالهم في التأليف وشك القارئ بجدية ما يؤلفون، وتزيد الرقابة (في الطنبور نغماً) إذ يضطر المؤلف إلى مراعاة آراء الرقابة فيحذف هنا ويعدل هناك كي تجيز الرقابة كتابه، ويخضع الكتاب العربي للرقابة من جديد، عندما يدخل أي بلد عربي، ولذلك تكون بعض المؤلفات العربية لا لون ولا طعم ولا رائحة لها، بسبب استعجال المؤلف وعسف الرقابة.

لا تهتم المدارس العربية بتشجيع طلابها على القراءة، ومثلها تفعل وسائل الإعلام أو الاتصال الحديثة كالقنوات الفضائية ومواقع (الانترنيت)، التي اختطفت القارئ العربي بسبب مجانيتها وسهولة تداولها و(سطحيتها). أما التعامل الإجرائي (الإداري والجمركي والمالي) مع الكتاب فربما لا مثيل له في العالم، فما زال الكتاب يعامل كسلعة تجارية في تنقله بين بعض البلدان العربية، ويُلزم موزعه بدفع رسوم جمركية ومالية، ولا تعترف معظم مؤسسات البريد العربية بضرورة تقاضي أجور مخفضة عن الكتب عند نقلها، فقد تكلف أجرة نقل الكتاب بريديا الآن أكثر من تكلفة إنتاجه وهكذا..

تطاول الأزمة معارض الكتاب، التي تنتشر في كل مكان، وتتشاطر المؤسسات العربية في الإعلان عن إقامتها، وتتبارى وتتباهى، ومن المفروض أن ذلك كله من أجل خدمة الكتاب والثقافة، ولكن الواقع ليس كذلك، لأن الجهات المعنية تساهم في رفع سعر الكتاب وإضعاف تداوله، فإضافة لأجور البريد ورسوم الجمارك وتكاليف النقل، تفرض المعارض أجوراً للأجنحة تزيد أحياناً عن حجم المبيعات مما يضطر الموزع أو الناشر إلى مضاعفة سعر الكتاب والقارئ إلى العزوف عن شرائه. وتشير الإحصائيات إلى أن متوسط سعر النسخة الواحدة من الكتاب يبلغ (5%) من متوسط الراتب الشهري في بعض البلدان العربية وقد لا يوجد مثيل لهذه النسبة في مكان آخر.

في الخلاصة ها نحن نشهد تدهور الكتاب العربي، وتراجع الثقافة العربية التي أصبحت جزءاً من الخلل الاستراتيجي بين المجموعة العربية والمجموعات الإقليمية الأخرى، دون أن تهتز شعرة في (مفرق بعضنا ).

كاتب سوري