أسأل طلبتي بشكل دوري: هل تريدون أن تصبحوا مدرسين؟ والجواب عبر السنوات الطوال من قبلهم هو بالنفي، رغم أن جل طلبتي أو بالأحرى طالباتي، من تخصصات العلوم الاجتماعية التي تضيق أمامها فرص العمل في الجهاز الحكومي بما يتناسب مع مؤهلاتهن. وهؤلاء أيضاً باتت تضيق أمامهن مجالات التدريس لاكتظاظها من هذه التخصصات، وعلى وجه التحديد في مدارس البنات.
ويبدو أن جواب طلبتي بالنفي على سؤالي، يأتي في جانب منه وفقاً لطبيعة الظرف الذي أكون فيه أثناء المحاضرة، ويكون عادة حينما أنزعج من طالب ينظر في "موبايله" أو آخر لا يجيب عن سؤال بديهي، أو طالبة تتحدث من زميلتها.. وهكذا. ويبدو أن قسمات وجهي المستنكرة ونغمات صوتي المتبرمة، هما وراء جزء من إجابة الطلبة بأنهم لن يذهبوا لمهنة التدريس، لأنهم يرون بأم أعينهم كيف يعاني أستاذهم!!
والظاهر أن جزءاً من عزوف شبابنا من الجنسين عن التدريس، لا يكمن في جانب أساسي منه في الراتب الذي يتقاضاه المدرس، وهو راتب يتسابق أعضاء مجلس أمتنا هذه الأيام لرفعه، ولا في المزايا التي يحصل عليها المدرس مقارنة بزميله الموظف، من قبيل العطلة نصف السنوية أو عطلة الصيف الطويلة، بل ربما يأتي عزوفهم بمقدار كبير من "نظرة المجتمع" لمهنة التدريس، حيث لم تعد هذه المهنة ذات بريق و"برستيج" كما كانت أيام زمان!!
أيام زمان كان الأستاذ "أستاذاً" ينظر إليه المجتمع نظرة وقار، يحترمه الكبير قبل الصغير، وأصحاب المقامات العالية قبل البسطاء من جموع الشعب. يروي السيد أنور عبد الله النوري (وهو وزير تربية كويتي سابق، وقبلها شغل منصب نائب مدير الجامعة لسنوات طويلة منذ بداية نشأة جامعة الكويت)، يروي في مذكراته وعنوانها: "في مرابع الذكرى"، أن ناظرهم في المدرسة الشرقية في أربعينات القرن الماضي، كان الأستاذ أحمد السقاف، الذي كان حازماً لا يجامل أحدا من الطلبة مهما علا مقامه.
يقول النوري: "وما زلت أذكر يوم رأى السقاف الشيخ سالم صباح السالم - رحمه الله ـ يطلب ممن كانوا يرافقونه أن يحملوا عنه حقيبته المدرسية، فنهره وأمره بأن يحملها بنفسه". ثم يضيف: "في اليوم التالي جاء الشيخ صباح السالم ـ رحمه الله ـ الذي أصبح أميراً للكويت فيما بعد، إلى المدرسة وسط توقع الجميع بأنه جاء ليعرب عن غضبه واستيائه لما حدث لابنه. ولكن حقيقة الأمر أنه جاء شاكراً الأستاذ السقاف للدرس الذي لقنه لابنه" (ص24).
وأتذكر مدرسي أيام زمان من الذين قدر لجيلي أن يتتلمذوا على أيديهم، من إخوتنا الفلسطينيين والمصريين والعراقيين وغيرهم. فكان الواحد من هؤلاء المدرسين "شخصية بحق وحقيقة"، ليس في قدراته العملية وفي اجتهاده في التدريس والالتزام بالدوام المدرسي والتقيد بمتطلبات الحياة المدرسية من نشاط وغيره، بل وأيضاً في الصفات القيادية، من مظهر وهيبة، واهتمام بالهندام والقيافة.
فكنت تراهم وقد لبسوا "البدل" وربطات العنق وأحذيتهم تلمع، مع الاهتمام بتسريحة الشعر وحلق اللحى أو تهذيبها. كنت ترى أستاذاً بأبهى حلة، قلما ترى نظيره هذه الأيام، حتى بين الكثير من أساتذة الجامعة!! ولا أظن أن للرواتب المجزية التي كان هؤلاء يأخذونها، الدور الأكبر في مظهرهم البهي ذاك، بل أغلب الظن أن المدرسين كانوا يستشعرون في قرارة أنفسهم أنهم "القدوة"، وأن المجتمع ينظر إليهم نظرة عالية، مما يستوجب عليهم أن يكونوا "عند حسن ظنه" من حيث المظهر والمخبر، أو من حيث سلوكهم وعطائهم وأشكالهم.
إن عزوف شبابنا عن التدريس، ليس فقط لأن مهنة التدريس لم تعد مهنة "مرموقة" في سلم تفاضل المهن في المجتمع، بل لأن هذه المهنة تتطلب التزاماً وتعاملاً مع طلاب يحملون شخصيات مختلفة، ومع ضغوطات اجتماعية تتمثل في التعامل مع أولياء الأمور، المهتم منهم وغير المكترث، إلى آخر السلسلة من المتطلبات التي يجب أن يجابهها المدرس. وأظن أن كثيراً من شبابنا يعزفون عن التدريس (رغم مزاياه المادية والمعنوية)، لأنهم يقارنون ما تتطلبه "مهنة المتاعب" هذه مع "الوظيفة الحكومية الإدارية" وما فيها من راحة.
وهذه النزعة (البحث عن الراحة والعمل الهين) نجدها أيضاً بين شبابنا، وخاصة البنات اللواتي يفضلن التدريس لمرحلة الروضة، ذات الدوام القصير والضغوطات المحتملة، من التوجه، مثلاً، نحو التعليم الثانوي وفي التخصصات العلمية التي يندر وجود الأستاذ (المواطن) فيها.
فلا عجب إذن، أن يكون تعليم مرحلة الروضة قد "تكوت" بشكل كامل، في حين أننا نصل بالكاد إلى نسبة النصف في التعليم الثانوي، مع تركز المدرسين من المواطنين الكويتيين في التخصصات الاجتماعية والرياضية، وندرة في التخصصات العلمية واللغة الإنجليزية، وحتى لغة الأم اللغة العربية.
إن التعليم أساس التنمية، ترى: هل نستطيع أن نحول هذه المهنة إلى مهنة محببة إلى نفوس أبنائنا، ليقول هؤلاء "تعب خدمة المجتمع راحة"؟!