في الثالث عشر من يونيو 2011، وبعد تأخير تجاوز الأربعة أشهر، ولدت وزارة الرئيس نجيب الميقاتي الثانية بعد مخاض عسير. فبالإضافة إلى الضغوط الإقليمية والدولية، ورفض قوى 14 آذار المشاركة في حكومة وحدة وطنية بسبب فشل سابقتها المستقيلة برئاسة سعد الدين الحريري عن الحكم، بدت الاستجابة لرغبات القيادات السياسية داخل فريق الثامن من آذار، أشبه بمهمة مستحيلة. فقد تمسك كل زعيم طائفي بحصته كاملة، مما أخر ولادة الحكومة حتى يئس اللبنانيون من إمكانية ولادتها.
وبعد زيارة خاطفة لرئيس جبهة النضال الوطني، النائب وليد جنبلاط، إلى دمشق ولقاء الرئيس بشار الأسد، نجح رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف، بدعم من الرئيس نبيه بري والنائب جنبلاط، في تذليل العقبات والإعلان عن ولادة الحكومة الجديدة. شكل الفريق الجديد ما بات يعرف بالوسطية الجديدة، التي نجحت في كسر الاصطفاف الحاد بين كتلتي الثامن والرابع عشر من آذار. واضطر الرئيس بري إلى تقديم تنازلات اعتبرت سابقة مهمة في مجال التوزيع الطائفي، للخروج من المأزق عبر إضافة وزير من حصة الطائفة الشيعية لصالح الطائفة السنية. فكانت مفاجأة سارة للبنانيين، وغير سارة للقوى التي راهنت على استحالة ولادتها.
فانهالت التصريحات المضادة التي وصفت الحكومة بنعوت قاسية، منها حكومة الهيمنة السورية في لبنان، وحكومة "حزب الله" وولاية الفقيه وإيران، وحكومة العصر الحجري، وحكومة غياب الميثاقية وعدم تمثيل أكثر من نصف اللبنانيين... لم يقتصر الانتقاد على صفوف قوى المعارضة، بل تعداه إلى أحد أطراف الموالاة، حيث بادر الوزير طلال أرسلان إلى رفض منصب وزير دولة في حكومة "لا يشرفه الجلوس إلى جانب رئيسها نجيب الميقاتي". فنشرت الصورة التذكارية للوزارة الجديدة ناقصة، على أمل عودته عن الاستقالة أو تعيين بديل له. وشكلت لجنة لصياغة البيان الوزاري وبدأت اجتماعاتها لإنجازه بصيغة مقتضبة، وبالسرعة الممكنة.
هكذا بقي لبنان قبل ولادة الحكومة الجديدة وبعدها، منقسما بشكل حاد بين كتلتين كبيرتين لكل منهما امتدادات عربية ودولية. ودعا كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إلى إبعاد الحكومة عن دائرة التجاذبات الداخلية والضغوط الإقليمية. وارتاح اللبنانيون لقيام حكومة تعمل على تنفيس الاحتقان الداخلي، رغم أنها لا ترضي جميع أطراف النزاع. وبات عليها أن تضع برنامج عمل لإدارة شؤون اللبنانيين المعيشية والاقتصادية، بديلا عن حكومة كانت متوقعة من التكنوقراط. فرفعت شعار: "كلنا للوطن، كلنا للعمل"، مما يؤكد على وجود رغبة حقيقية لتجاوز الانقسامات الحالية، والعمل على تفعيل العمل السياسي في لبنان، على قاعدة تشجيع الوسطية في السياسة والاقتصاد والإصلاح الإداري والمالي وغيرها.
لقد شكلت مفاجأة الرئيس بري خطوة أساسية لتذليل العقبات أمام ولادة حكومة الميقاتي، وذلك بتجاوز العرف السائد في توزيع المقاعد الوزارية مناصفة بين السنة والشيعة والموارنة، وهو تقليد متبع بدقة في تشكيل جميع الوزارات في لبنان منذ اتفاق الطائف عام 1989. وبعد شكر الرئيس بري على مبادرته، طالب اللبنانيون باعتماد هذا الحل مستقبليا لتجاوز الأزمات المشابهة. فعلى جميع زعماء الطوائف العمل على إخراج لبنان نهائيا من دائرة تقاسم المغانم، الذي قاد إلى الجمود السياسي والشلل الإداري، على أن يبدأ إصلاح النظام السياسي بتقديم زعماء الطوائف مصلحة لبنان العليا على مصالحهم الشخصية والطائفية.
وحرص الرئيس الميقاتي في بيان التأليف، على إبراز عناوين توافقية تدخل الارتياح إلى نفوس اللبنانيين. فدعا إلى تجاوز الانقسام الحالي، وإلى تبني صيغة وسطية جديدة تستقطب غالبية اللبنانيين. ووعد بأن تحرص الحكومة الجديدة على إقامة علاقات أخوية متينة بين لبنان وجميع الدول العربية الشقيقة، وشدد على ضمان التزامات لبنان العربية والإقليمية والدولية، مع الحفاظ على كرامة اللبنانيين وحرية قرارهم السياسي. فالحكومة الجديدة هي لجميع اللبنانيين، ولن تمارس الكيدية أو الانتقام، ولن تسمح بهيمنة فريق سياسي على آخر.
تكمن المهمة الأساسية أمام الحكومة الجديدة في منع الانفجار الأمني مجددا، وهي مطالبة بتطبيق الدستور والقوانين، وتفعيل جميع السلطات، وتحريك عجلة مؤسسات العمل والإنتاج، وتطبيق دستور الطائف تطبيقا كاملا، والدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله، وتحرير ما تبقى من أرضه المحتلة من العدو الإسرائيلي، ومعاودة الحوار الوطني المسؤول حول القضايا الخلافية، وذلك في إطار المؤسسات الدستورية دون سواها. على أن يتبنى جميع المتحاورين، الثوابت التي يجمع عليها اللبنانيون، والتي تحفظ وحدة لبنان واستقراره، وتحقق التضامن بين أبنائه، وتحمي صيغة العيش المشترك. ولا بد من أن يلتزم الجميع مبدأ الحرص الشديد على حماية أمن لبنان واستقراره، في ظروف إقليمية ودولية مضطربة وبالغة الخطورة. فوحدة اللبنانيين هي الضمانة الأكيدة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بمسؤولية وطنية جامعة.
رفعت الحكومة الجديدة شعارات عقلانية، هدفها حماية لبنان وتجنيبه اضطرابات سياسية وأمنية ومالية واقتصادية خطيرة. ووضعت في رأس أهدافها تمكين لبنان من مواصلة دوره الرائد في محيطه العربي وفي العالم، ودفاعه عن حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه وقيام دولته المستقلة عليها، ورفض توطين الفلسطينيين على أرض لبنان. وهي تتطلع إلى تعاون صادق مع الدول العربية الشقيقة على قاعدة الاحترام المتبادل.
ختاما، نجح تيار الوسطية في الإعلان عن حكومة تعد اللبنانيين بالعمل الدستوري والإنمائي. وبعد أن أدرك الجميع مخاطر الانقسام الحاد بين كتلتين لا تلتقيان على الحد الأدنى من العمل المشترك لحماية لبنان واللبنانيين، كان لا بد من تقديم تنازلات بوجهة غير طائفية، للخروج من دائرة الاصطفاف الطائفي الحاد. لذلك رحب اللبنانيون بولادة حكومة تحرص على وحدة لبنان واستقلاله وتحرير ما تبقى من أراضيه المحتلة، وأعلنت تمسكها باتفاق الطائف والعمل على تطبيق جميع بنوده، وعدم وضع لبنان في مواجهة المجتمع الدولي. وبعد ترحيب محدود بولادة الحكومة الجديدة، تراقبها القوى المحلية والعربية والدولية عن كثب لتنفيذ ما وعدت به.
فالساحة اللبنانية مليئة بألغام خطيرة وقابلة للتفجير في أية لحظة، على غرار التفجير الذي شهدته مدينة طرابلس مؤخرا. وبعد أن لاقى تيار الوسطية دعما داخليا محدودا لأسباب متنوعة، هناك فرصة تاريخية أمام الحكومة الجديدة لاختبار مدى قدرتها على منع العنف، واحترام القرارات الدولية، والتزامها بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان. فهل تنجح الوسطية حيث فشل الاستقطاب الطائفي الحاد، في بناء وحدة لبنانية صلبة تحافظ على الوحدة الوطنية والعيش المشترك وتمنع الفتن الطائفية والمذهبية؟