قد تكون الدلالة الأبرز المستخلصة من حراك الساحات العربية، هي الإنباء عن زمن استثنائي وجديد من المواجهات.

الاستثنائية والجدة تعودان إلى أن ما يقطعه العالم العربي اليوم هو أشبه برحلة قلقة يتساوى فيها الخوف والرجاء. وهذا يعني أنه زمن مركب وانتقالي، وأن جلاء صورته النهائية أمرٌ متعلّق بالحصاد الإجمالي للاحتدام الجاري بين مكوناته وقواه

. ومثلما يحمل زمن كهذا وعودا بآمال كبرى، فهو ينطوي في الآن عينه على روح متشائمة قد تحجب طول الأمل بثقافة الإحياء الحضاري لدى نخب الأمة وجماهيرها. بهذه المعبَّرات يكشف هذا الزمن عن منفسحٍ تاريخي، تتعادل فيه رهانات النهضة مع هواجس النكوص والتأخر.

. من سمات الزمن إياه أن سؤال النهضة فيه لم يعد مجرد خطبة افتراضية، شكلت على مدى أحقاب طويلة مادة مغرية لمساجلات خاوية من أي أثر، ذلك أن المزيّة الأبرز للحراك تكمن في تنبيه الفكر العربي المثقل بالتشاؤم، إلى وجود إضاءات تدفعه نحو إعادة صياغة بيان التقدّم على قاعدة التفاؤل

. ومثل هذا التنبيه سيكون له أثر حاسم في إمداد التحيّزات والولاءات الناشئة، بأمل الخروج من الخوف والإحباط وعقدة التأخر.

من البيّنات التي تفصح عنها التحوّلات، قابلية البيئة العربية لإنجاز ولادات فكرية وسياسية وثقافية غير مسبوقة بالمعايير التاريخية. فسنلاحظ أن البيّنة الأكثر حضورا في حقل التداول، هي ما يثيره التساؤل عن القيم البديلة بعد أن تهتّكت مفاهيم شكّلت سحابة قرن كامل، قواعد معرفية لتفسير حوادث المنطقة وتطوّراتها.

مثل هذا الصدع الذي ضرب البنية المفاهيمية التقليدية لم يكن وليد اللحظة الراهنة، وإنما هو حصيلة سلسلة من الاحتقانات المتراكمة، تتساوق فيها حزمة من الجاذبيات, لعل أكثرها مدعاة للنقاش ما تعلّق بالهويات الضائعة والولاءات الممزّقة.

وإلى هذه السلسلة يجيء المنعطف الذي شهده النظام العالمي بعد نهاية الحرب الباردة، لينقل نظام التوازن إلى طور آخر، ربما كانت الأحادية الممزوجة بالخواء، من أظهر علاماته الدالَّة.

. أما ما يشهده عالم اليوم، فهو نسقٌ موسوم بطابع انتقالي، يكاد يخلو من أية منظومة صريحة تقاس على أساسها عمليات التدافع الفكري فضلا عن ضبابية الأطر والأشكال الواضحة المتعلّقة بالأمن القومي وسيادات الدول.

مع انبساط صورة العالم على هذا النحو من انعدام اليقين, سيكون لعالمنا العربي والإسلامي نصيب وافر من آثارها وتداعياتها. فقد جرى التعامل مع الجغرافيا الثقافية العربية، كميدان خصيب للاختبارات المدوية، التي أجرتها النيوليبرالية في مجالات الحرب والسياسة والاقتصاد وأنظمة القيم.

ولسوف تفصح الميادين المسكونة بالاضطراب، عما يمكن وصفه بـ«مبادرات ملء الفراغ»، تلك التي اندفعت إليها مؤخرا نُخَب وتيارات وبيئات عربية وإسلامية، لا حصر لهوياتها وولاءاتها الإيديولوجية.

السمة اللاّفتة لـمبادرات ملء الفراغ المشار إليها هي انضواء الفاعلين فيها داخل عمليات استقطابات لا محل فيها للحياد. والبيّن من الوقائع الجارية، هو انخراط كتل ثقافية وسياسية واسعة نسبيا في مراجعة محمولات إيديولوجية وقناعات فكرية ومعرفية، كانت في ما مضى سببا لعزوفها عن العمل السياسي.

وما هو أكثر استدعاء للتأمل أن مثل هذه المراجعة لم تقتصر على كتَُلٍ بعينها، بل هي ستتحوّل موضوعيا إلى طاقة جاذبة لملايين وجدت فرصتها العُظمى في استعادة هوياتها السليبة.

فإذا جاز لنا توصيف مثل هذا التحوّل، لألفينا ظاهرة تحيّز فريدة في جنسها، طفقت تطغى على ثقافتنا السياسية وتدفع بها إلى الحدود القصوى من الأفعال والشعارات.

المميّز في تلك الظاهرة، أنها تقاطعت إجمالا على الولاء لأمر جلل، في حين أن من مفارقات هذا التقاطع الاختلاط العجيب في الأهداف والغايات بين الثورات والثورات المضادة.

وسيكون لنا مما ترسله البيئات الفكرية والسياسية المختلفة من مواقف، ما يمنح المشروعية لهذا العنوان الكبير. وسيتبين لنا ما هو أبعد أثرا من ذلك، حين تطل علينا تظاهرات «الولاء المختلط»، وهي مكتظّة بإنشاءات إيديولوجية تبرّرها وتسبغ عليها شرعية الحضور.

مع ذلك، فلو عاينّا الولاءات التي تنأى عن ترتيبات وخُروقات الثورة المضادّة، للاحظنا حيوية استثنائية، لجهة توفير المقدمات الضرورية لإرهاصات نهضوية، أخذت تحفر مجراها نحو طور تاريخي جديد، هو طورٌ ليس بالضرورة أن ندرك منذ الآن ماهياته وهوياته الصافية ومآلاته النهائية، .

لكي نصدر الأحكام عليه. فعلى الرغم مما تمتلئ به الحقبة الحاضرة من عمليات احتواء واسعة النطاق، من طرف ما يسمّى عادة بـ«الثورة المضادة»، فقد دلّت الحيويّات السياسية المستأنفة، على أصالة الاحتمال الثوري كمؤسس للعملية النهضوية الشاملة.

أحد أبرز العناوين الكبرى التي ارتفعت في سماء التحولات الأخيرة هو الإخبار عن عودة سؤال النهضة إلى حرارته الأصلية. الأهم من هذا، أن مثل هذه العودة تنطوي هذه المرة على مفارقة بيّنة، فهي ليست مجرّد استعادة لأفكار وآمال سبق تداولها، أو الاستئناس بها، على سبيل مجاراة سُنن التطوّر، وإنما هي عودة تكتظ بوعود تاريخية لا نظير لها من قبل.

. لا يتعلّق الأمر هنا، بالكلام على «لعبة حظ تاريخية»، طالما جرى استحضارها في معرض المُساءلات عن العلل التي حالت دون قدرة العرب على الإمساك بمفاتيح الاستقلال والتقدُّم، حتى لقد غلب الظن لدى جمع غفير من المفكرين العرب المعاصرين، ليجدوا ضالّتهم، بأن عيبا تكوينيا أصاب العقل العربي ولا سبيل له إلى الشفاء.

لكن الاعتدال في الرؤية التحليليّة، يفترض علينا واجب التفاؤل برجوع مقولة النهضة، ولو من قبيل «الظن المعاكس»، ذلك أننا سنكون مسوقين إلى التعامل مع مقول النهضة بوصفها «رجعة ميمونة مسدّدة بالإرادة، ومؤيدة بجرعة وافية من العقلانية في الوقت عينه»

. ومع أن تفاؤلا كهذا لا ينفك عن كونه حالة جنينية تترجّح بين المستحيل والإمكان، إلاّ أن حجّته تنطوي على جاذبية استثنائية، في عالم بلغت أزماته السياسية والمجتمعية والأخلاقية درجاتها الفائضة. وإذا كان من بديهيات الفلسفة السياسية الحديث عن إمكان استعادة قضايا تاريخية كلية للشعوب العربية، مثل الهوية والولاء والانتماء الوطني والسيادة في بدايات القرن الحادي والعشرين، .

فالثابت أن هذه القضايا ستؤلف على الجملة متكآت السيرورة النهضوية، وبما يجعل الكلام على عودة المثقف العربي المتحيّز لقضاياه الكبرى والصغرى، كلاما مطابقا للواقع بدرجة الامتياز.