في الوقت الذي كانت فيه طائرات حلف "الناتو" الصليبي، وفق تعبير وكالة الأنباء الليبية، تحلق بكثافة فوق العاصمة "طرابلس" وتقصفها بشكل متواصل، كان العقيد معمر محمد عبد السلام أبو منيار القذافي، قائد ثورة الفاتح من سبتمبر، .
يلعب الشطرنج مع رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج، الروسي "كيرسان ايليومجينوف"، بحضور محمد القذافي الابن البكر للعقيد، رئيس اللجنة الأولمبية الليبية الذي دعا رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج إلى "طرابلس" لبحث آفاق تنمية رياضة الشطرنج في ليبيا، في الوقت الذي كانت فيه طائرات حلف "الناتو" الصليبي تقصف "طرابلس"!
ليست هذه نكتة، ولا إشاعة، ولا هي حلقة في سلسلة الأخبار الكاذبة والصور المفبركة التي تبثها القنوات الفضائية المغرضة والمتآمرة على ثورة الفاتح من سبتمبر في ليبيا، دونا عن كل الثورات التي في العالم، وإنما هي حقيقة بث مشاهد منها التلفزيون الليبي الرسمي الأسبوع الماضي، .
وإن كان التلفزيون لم يوضح من الذي فاز في نهاية الجولة التي استغرقت زهاء ساعتين، غير أنه من المرجح أن يكون العقيد قد هزم رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج، بدليل أن الأخير خرج من ليبيا سالما معافى لم يمسسه سوء، ولم يلق مصير من سبقه إلى اللعب مع العقيد، مع اختلاف نوع اللعب واللاعبين.
من التصريحات الغريبة التي أدلى بها "ايليومجينوف" حول نتيجة زيارته لليبيا، وليس نتيجة المباراة التي لعبها مع العقيد، ما نقله عن استعداد القذافي للموافقة على تحويل ليبيا إلى جمهورية رئاسية أو برلمانية، إذا كان شعبها يريد ذلك! وإجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية.
! وقوله إنه لا يفهم ماذا يريد منه حلف الناتو والثوار في بنغازي! وأن خلافه الأساسي ليس مع المعارضة في بنغازي، بل مع الدول الغربية! وعرض القذافي قائمة بالمعارضين في بنغازي، وقوله إن العديد منهم مواطنو دول أخرى، مثل فرنسا والولايات المتحدة وقطر!
مما يروى عن الطاغية الروماني الشهير "نيرون" أنه بعد أن أراق الكثير من الدماء في أنحاء الإمبراطورية، حتى أنه قتل أمه التي أوصلته إلى الحكم، سيطرت عليه فكرة أنه بارع في الغناء والتمثيل، فكان يخرج إلى اليونان، يطوف مدنها، ويحصد الجوائز في مجال التمثيل والغناء.
. وكانت لجان التحكيم لا تجرؤ على منح هذه الجوائز لغيره في كل المنافسات التي كان يدخل فيها طرفا. ويذكر التاريخ أنه كان يسير في جيش من الممثلين والمغنين الذين يحملون أوسمته وجوائزه، .
ويدخل بها روما دخول القائد المظفر العائد من ميدان المعركة. وكان هذا يحدث في الوقت الذي كان يُنظَر فيه للممثلين والمغنين نظرة دونية من قبل المجتمع الذي يعتبرهم مهرجين، وكان الاحتقار هو السمة الأساسية التي يوصم بها الممثل عندما يفرغ من أداء دوره في مسرحيته، ثم يتوسل إلى الجمهور كي يصفق له.
ويروى أيضا أنه كان ذات يوم يؤدي أحد الأدوار في مسرحية، وكان يمسك بيده صولجانا، فسقط الصولجان من يده.
. وقد قامت زوجته "أوكتافيا" بعد انتهاء العرض، كما يقضي الواجب، بمدح أداء الأمبراطور في المسرحية، لكنها علقت قائلة: "ولكن لو أنك لم تسقط الصولجان"، فكانت هذه الجملة آخر تعليق لها في حياتها التي كتبت نهايتها بيدها، كي لا يجرؤ أحد بعد ذلك على انتقاد أداء الممثل الأعظم في تاريخ الإمبراطورية الرومانية.
وفي عام 64 للميلاد، هيأ خيال "نيرون" الجامح له أن يعيد بناء "روما" التي لم يعجبه تصميم مبانيها، فأقدم على إشعال النيران فيها. كانت البداية بالقاعدة الخشبية للسيرك الكبير، ثم امتدت النيران بعد ذلك إلى أنحاء "روما" على مدى أسبوع كامل، التهمت خلاله عشرة أحياء من أحياء المدينة الأربعة عشر.
وكان أغرب ما في المشهد أنه بينما كانت النيران تتصاعد والأجساد تحترق وسط صراخ الضحايا، كان "نيرون" يجلس على برج يتسلى بمنظر الحريق، ممسكا بآلة موسيقية يعزف عليها ويتغنى بأشعار "هوميروس" التي يصف فيها حريق "طروادة". ويروى أيضا، وآفة الأحاديث رواتها، أن أحد أعوان "نيرون" استاء من غناء سيده ورداءة صوته، فاستجمع شجاعته .
وقال له: "سيدي.. أحرق روما.. افعل بها ما شئت.. لكنني أستحلفك بالآلهة أن تكف عن قرض الشعر والغناء". ولم يذكر الرواة ماذا كان مصير هذا الجندي الشجاع، لكن أحدا لم يتوقع له مصيرا أفضل من مصير زوجة الإمبراطور المأسوف على شبابها "أوكتافيا"..
وبعد كل هذه الجرائم التي ارتكبها في حق الإمبراطورية، وحق المحيطين به الذين لم يسلم أحد منهم من القتل، وكان آخرهم معلمه ومستشاره المخلص الفيلسوف "سينيكا"، كانت نهاية الطاغية مشابهة لنهاية كل الطغاة الذين عرفهم التاريخ في كل العصور، إذ انصرف عنه أصدقاؤه وحاشيته، ولم يجد بدا من أن يهرب من قصره إلى كوخ بعيد لأحد خدامه الذين بقوا معه، .
وهناك بكى كثيرا على ما آل إليه أمره، وظل مختبئا حتى شعر بأصوات سنابك خيول الجنود تحوم حول المكان فقرر أن يقتل نفسه، وبعد محاولات كثيرة فشلت بسبب خوفه من الموت، قتل نفسه ومات الطاغية الذي أرهق روما بمجونه وجنونه.
واضح أن الطغاة يستنسخون أنفسهم، وواضح أن بداياتهم غالبا ما تكون متشابهة، وواضح أن نهاياتهم دائما ما تكون واحدة، لكنّ غير الواضح هو ما إذا كانوا يدركون هذا الذي ندركه نحن ونراه، .
فمؤكدٌ أننا نهيم في واد وهم في وديان أخرى يهيمون، ومثلما هم يرون الناس أحجارا على رقعة شطرنج يحركونها كيفما شاؤوا ووقتما شاؤوا، يراهم الناس أصناما على الرقعة نفسها في طريقها إلى السقوط.
على رقعة الشطرنج تدور معارك حامية، يسقط خلالها وزراء وبيادق، وتكبو أحصنة وفيلة، وتتهاوى قلاع يحسبها اللاعبون حصونا منيعة، وتكون الغلبة في النهاية لمن يستطيع أن يحكم الحصار حول الملك، ليطلق العبارة الشهيرة "كش ملك".. عندها فقط تكون اللعبة قد انتهت.