لطالما انتقدت الدول العربية ممثلة في جامعتها الموقرة ممارسة الازدواجية في السياسة الخارجية العالمية تجاه القضايا العربية، وعكفت الجامعة طوال ما يربو عن الستين عاماً من عمرها على رمي ثقل لومها على المجتمع الدولي وقواه الرئيسية في الانحياز لغير الحق على الرغم من ما تقوم عليه تلك القوى من أسس الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

. واليوم تقع الجامعة العربية في ذات الموقف من الازدواجية، حيث أصبحت هذه المؤسسة الشائخة تقف متهمة بالازدواجية من الداخل والخارج بعد أن كانت الجامعة هي المدعي على غيرها.

إن الازدواجية العربية واضحة كل الوضوح فيما يدور من مواقف عربية تجاه القضايا الدائرة في المنطقة منذ مطلع العام.

. فبعد أن كانت الأمانة العامة للجامعة ممثلة في أمينها العام السيد عمرو موسى تدعم الشعب المصري في ثورته ضد نظام الرئيس المتنحي محمد حسني مبارك؛ وبعد دعم مجلسها علانية للثوار الليبيين ضد نظام العقيد معمر القذافي وتعليقها عضوية ليبيا في الجامعة.

ومن ثم دعوتها لمجلس الأمن الدولي للتحرك لحماية المدنيين ووقوفها إلى جانب الآلة العسكرية الدولية في حربها على قوات القذافي في ليبيا؛ وبعد إداناتها المتكررة لأعمال القوات الإسرائيلية ضد المواطنين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين، نجدها اليوم وللأسف الشديد عاجزة كل العجز على أن تتخذ موقفاً مشرفاً لها تجاه ما يحدث في سوريا واليمن من أحداث.

هذه هي الازدواجية العربية التي تحركها مصالح الدول الأعضاء في منظومة الجامعة العربية، والتي تلاقت في أوقات مع مصلحة الشعوب العربية فوقفت معها، وابتعدت في أوقات أخرى عنها فاختلفت معها.

. هذه السياسة تحركها المصلحة الوطنية الضيقة للأنظمة الحاكمة التي تدفع نحو مثل هذه الازدواجية، فالدول العربية تلعب اليوم ذات اللعبة التي تلعبها الدول الغير عربية وبالذات الغربية تجاه قضايا العالم العربي، .

الأمر الذي يجعلنا كعرب غير قادرين على انتقاد الموقف الروسي أو الصيني أو الأميركي تجاه قضايانا لأن دولنا تقع في ذات البوتقة الرافضة لانتقاد - وللأسف الشديد - انتهاكات حقوق الإنسان العربي من بعض الأنظمة العربية.

صحيح أن الدول - من ناحية المبدأ على أقل تقدير تحاول أن تبرز نفسها على أنها تحترم المبدأ الدولي القائم على ضرورة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، لكن هذا المبدأ ليس مطلقاً بل له حدود، .

حيث يمكن للدول أن تتخذ موقفاً تدعو من خلاله بعض الأنظمة للالتزام به واحترامه أو تعمل على فرض عقوبات من نوع معين في حال أن هناك انتهاكات ترتكب في حق المدنيين العزل أو أن ما يحدث في تلك الدول له تبعات سلبية على الأمن والسلم الدوليين من خلال تأثيره على دول أخرى.

. والغالبية الساحقة من الدول العربية تحاول أن تبرز أن ما يحدث في سوريا واليمن شأن داخلي بتلك الدول لا يحق لها التدخل فيه، .

ولكن الواقع القانوني الدولي يشير إلى أنه إذا ما تيقنت الدول بأن ما يحدث هناك له تبعات وتأثيرات سلبية على الأمن والسلم الإقليمي أو أن هناك بالفعل انتهاكات تجري ضد مدنيين عزل فإنه يحق لها ولغيرها من دول العالم التحرك الدبلوماسي على أقل تقدير من أجل مواجهة تلك ألأخطار ومنعها من التوسع أو من أجل حماية المدنيين العزل.

فكل ما هو مطلوب من الدول العربية على أقل تقدير أن تتخذ موقفاً سياسياً مشتركاً تدعو من خلاله الأنظمة الحاكمة في كل من سوريا واليمن للتعامل مع ما يحدث داخلها من أحداث بحذر ومن دون تهديد حياة المدنيين العزل أو خطر تحول تبعاتها إلى دول أخرى مجاورة، لاسيما وأن أحداث سوريا واليمن تفتح الباب على مصراعيه لأخطار على دول مجاورة ولتدخلات أجنبية في الشأن المحلي لتلك الدول.

فكما تحركت دول الخليج العربية بشكل إيجابي عندما تيقنت بأن ترك الأمور في البحرين لحالة الغليان والتوتر والمواجهة سيدخل المنطقة الخليجية بأسرها في دوامة من الأخطار الأمنية والتدخلات الخارجية، .

فإنه من الواجب على الدول العربية أن تتحرك هي أيضاً لاحتواء ما يحدث في كل من سوريا واليمن بموقف عربي موحد يضع النقاط على الحروف ويضغط على الأنظمة الحاكمة هناك بضرورة وقف حالة تدهور الأوضاع فيها.

إنه وضع غريب حقاً نعيشه نحن في العالم العربي، حيث كيف لنا كعرب أن ندين وننتقد إسرائيل على قتلها واعتدائها على المدنيين الذين حاولوا الوصول إلى الحدود معها احتجاجاً على الاحتلال، .

ونتوقع أن يكون هناك دعم عالمي لهذه الإدانة، في الوقت الذي لا ندين ولا ننتقد فيه القتل والاعتداء على المدنيين العرب داخل بلدانهم العربية.

إن السكوت العربي الصارخ والواضح إزاء ما يحدث في بعض الدول العربية من انتهاكات لحقوق الإنسان قد يكون له ما يبرره عند بعض الأنظمة، ولكن ما لا يجد تبريراً واقعياً عند الشعب العربي هو معاملة الدول العربية للشعوب العربية بازدواجية؛ فالمعادلة العربية قائمة على أن ما يستحقه شعب في بلد عربي معين لا يستحقه شعب عربي في بلد عربي آخر .

! وحتى أن الأمر الغريب هو أن الأمين العام للجامعة العربية المنتهية ولايته والساعي لرئاسة مصر الجديدة لا يريد استثمار الأحداث العربية لرفع شعبيته لدى الشارع المصري التواق للحرية والديمقراطية ورفض الظلم، .

والذي من المفترض أن يعطي صوته لمن يعتقد أنه يؤمن بمبادئ الثورة، تلك المبادئ التي لا يمكن أن تكون حكراً على مصر فقط بل لا بد أن يشمل مداها كل شعب تواق للحرية ورفع الظلم.