على الرغم من الحــداثة التي نعيشــها فــي مجتمــع الإمــارات اليــوم إلا أنها معروفــة لــدى الآخــر بأنها كبقية دول الخليج دولة محافظــة ذات تقاليد وعــادات شرقية متجــذرة.
. والمقصــود بالمحافظة هنا استمرارية بعض الأوضاع الاجتماعية وبعض الأفكار على حالها على الرغم من حالة التقدم والتمدن والحداثة التي تغلب على كل شيء تقريبا.
. وقد اشتهرت الإمارات، مثلا، بأنها دولة «مودرن» وهذا يعنى أنها ماديا تتمتع بكل مغريات الحياة الحديثة بكل ما تحويه هذه الكلمة من إيحاءات ومعان ومفردات. فعند مقارنتها، مثلا، بدول أوروبا وجنــوب شــرق اســيا لا توجــد فــوارق كبيرة بينها ماديا وحضاريا من حيث طغيان الحداثة المادية وتوفر حيثياتها المتعددة، .
ولكن الفرق الوحيد والظاهري هــو أن حالة الحداثة عندنا تلبس ثوبا محليا شــرقيا. ففــي الإمارات مثلا، تجد الحداثة تعيش جنبا مع الأصالة، فيها تجد التيارات الغارقة في المعاصرة وتلك المنادية للرجــوع إلى الماضــي والتمســك بكل مكوناته، تجد فيها تيارات فكرية تنويرية وأخرى محافظة تتصادم أحيانا حتى مع بعضها البعض. إنها مزيج متناقض من فكر الشرق والغرب، .
ويمكن أن يكون هذا هو أحد الأشياء التي تشد لها انتباه الزائر. فالقادم إلينا يتوقع دوما أن يرى معجزة حضارية مطبوعة بطابع محلي شرقي. ولكن قد يصطدم أحيانا عندما يرى أنه في الواقع قد أتى ليعيش تجربة حضارية مغرقة كل الإغراق في الحداثة الغربية.
أتذكــر بأنــي مــنذ فــترة قد تعرفــت على ســيدة غــربيــة أتت لأول مــرة لتعيــش وتْدرس في الإمارات
. أتت وفي ذهنها الكثير من الأفكار المشوشة الايجابية منها والسلبية والتي ترسخت في ذاكــرتها عبر ما سمعت وقرأت عنه في الأدبيات الغربية. كانت مدركة بأنها قد أتت لتعيش في بلد شرقي هو جزء من شبه الجزيرة العربية بكل تقاليده وعاداته المحافظة.
كانت كالباحث عن المغامرة وعلى استعداد لخوض تجربة حياتية جديدة واكتشاف عادات وتقاليد مجتمع مغاير عن مجتمعها. كان يسكنها بعض الخوف والوجل والترقب لا يختلف كثيرا عن ذلك الخوف الذي يسكن الإنسان المقبل على اكتشاف المجهول.
فهي قادمة، كما قالت، إلى أرض الصحراء العربية الكبيرة ذات التقاليد الراسخة والعادات المتجذرة بكل ما تحمله هذه التجربة من معان، أتت وهي على أتم استعداد لتتواءم مع الحياة الجديدة التي أحبت أن تجربها.
تفاجأت السيدة بما شهدته مــن تطــور مــادي وحضــاري كبير وما تزخر به الإمــارات من تنــوع ديمغرافي لم تشــهد له مثيــلا حتى في بلدها وخرجت بانطباعات مغايرة تماما عن تلك التي أتت بها. كانت تتوقع أن ترى الخيمــة والجمــل ولكنها رأت ناطحات سحاب أعلى بكثير من تلك الموجودة في بلدها، كانت تعتقد بأننا نحمل نوعا من التعصب ضد الغربيين.
وإذا بها تكتشف العكس، أن الغربي مرحب به هنا ويحظى بمكانة مجتمعية عالية، كانت تعتقد بأن عليها أن تلبس مثلنا وإذا بها تكتشف العكس - أن الكثيرين يلبسون مثلها- كانت تعتقد بأنها حياتها كامرأة في مجتمع شرقي سوف تكون صعبة .
وإذا بها تكتشف أنها تعيش في مجتمع أقرب حداثيا وسلوكيا إلى مجتمعها، كانت تعتقد بأنها سوف تجد مجتمعا مغرقا في المحافظة «ولكنها وجدت مجتمعا منفتحا كثيرا على العالم الغربي.
والغريب في الأمر أن ذلك لم يسعد تلك المرأة كثيرا، فكما قالت «جئت لأعيش تجربة حياتية جديدة وإذا بي أستنسخ تجربة مجتمعي». .
ربما أرادت هذه السيدة أن تقول لنا شيئا واحدا أو أشياء مركبة معا وهو أن استنساخ تجارب الآخرين الحضارية والمادية ليس دوما بالقضية المبهرة والمدهشة للآخر. وربما أيضا أرادت القول إننا عندما أضعنا جانبا كبيرا من تراثنا المادي والحضاري أضعنا جزءا كبيرا من تفردنا الإنساني والحضاري، .
وأننا عندما قلدنا الآخر في حضارته المادية والسلوكية أضعنا ما يميزنا والذي هو هويتنا الحقيقية، أو ربما أرادت القول بأننا من خلال سعينا الكبير لنصبح دولة «مودرن» قد أصبحنا مثل الاخر ولسنا الآن بمختلفين عنه.
تجــربة هــذه السيدة لا تختــلف كثيرا عن تجارب ملايين آخرين من الزائرين والوافدين الذين يفدون سنويا إلى أرض الإمارات. فليس كل من أتى إلى الإمارات أتى بهدف الراحة والتبضع والمتعة.
ملايين يأتون إلى بلدنا بحثا عن ثقافة الآخر المختلف عنهم حضاريا، وملايين آخرون يأتون بحثا عن تراث إنساني متجذر وتواصل إنساني مع الآخر وهوية عالمية مختلفة. فلو سجلنا كافة انطباعاتهم ومشاهداتهم وارائهم لخرجنا بنظرة جديدة عن طبيعة وذهنية القادم إلينا وعن أنفسنا، وأدركنا جيدا ما يريده الآخر، .
وما يجب أن نكون عليه نحن، ولأدركنا جيدا ما تغير في مجتمعنا، وما يجب أن يتغير، وما يجب المحافظة عليه وإبقائه حيا ليس فقط لأجيالنا القادمة بل لأجيال عالمية جديدة سوف تفد إلينا خلال العقود القادمة بذهنية جديدة وعقلية مختلفة.
إن التغير الحضاري غير المدروس له نتائج سلبية اقتصادية وثقافيــة واجتماعية. فاقتصاديا ســوف يؤثر على أعداد السياح ونوعيتهم، كما ســوف يؤثر علــى مكانتنا العالمــية في مجال السياحة الثقافيــة أما اجتماعيا فتأثيراتــه ســوف تمتد إلى البشر القاطنين في هذا المجتمع والى الأجيــال القادمة.
. فالتغــير الحــقيقي هو التغير المدروس والذي يراعي ظروف المجتمع ومتطلبات سكانه والوافدين إليه. فليس كل وافد إلى الإمارات هو باحث عن المتعة الرخيصة والتسوق واللهو والمرح، .
فأعداد من يأتون إلينا طلبا للسياحة الثقافية في تزايد مستمر، وما لم نحفظ ونصون تراثنا المادي والمعنوي فلن يتبقى لنا ما يأتي الآخر ليشاهده ويعيشه، بل لن يتبقى ما نحفظه لأجيالنا القادمة.