فاز حزب العدالة والتنمية التركي، كما كان متوقعاً، بالانتخابات التشريعية للمرة الثالثة، وبنسبة أصوات لامست (50%) من مجموع المشاركين، وكانت نسبته السابقة أقل من (47%)، مع أن عدد نوابه تراجع عدة نواب في ضوء القانون الانتخابي التركي، ولا شك في أن مثل هذا الفوز لافت للانتباه، لأن العادة السائدة في معظم المجتمعات، أن الناخب يملّ من الحزب الحاكم بعد دورتي انتخاب، إضافة إلى أن أخطاءه لابد أن تتراكم مع الزمن وتعطي مبررات للأحزاب المعارضة لتذكير الناخب بهذه الأخطاء وتنفره من الحزب الحاكم، فضلاً عن أن الناخب يميل بطبيعته للتجديد. ولاشك في أن هذه الحالة التركية هي حالة قليلة الحدوث في انتخابات المجتمعات الديمقراطية.
وتدل على أن إنجازات حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان كانت كبيرة وباهرة ومغرية للناخب التركي على تعدد مشاربه الإثنية والطائفية والاجتماعية، وفي مجتمع عاش ثلاثة أرباع القرن قبل تسلم حزب العدالة والتنمية دفة القيادة، في ظل (علمانية عسكرية) هي أشبه بالحكم العسكري منها بأي حكم علماني، وهو نفسه مجتمع كانت تتفجر فيه بين حين وآخر التناقضات القومية (الأكراد، الأرمن، العرب، الأقليات الأخرى) والطائفية (السنة، الفرق الصوفية، العلويون، المسيحيون) والاجتماعية (الفقر الشديد، البطالة، سوء الخدمات العامة، رداءة البنية التحتية للبلاد) مع نسبة نمو متواضعة جداً لم تكن تتجاوز (3%) سنوياً. وقد واجه حزب العدالة والتنمية هذا الخلل ـ متعدد الجوانب ـ القومي والطائفي والاجتماعي مواجهة شجاعة وحكيمة، وتوصل بالفعل إلى بدء تفكيك العقد، وحلحلة المشاكل.
وزيادة انسجام النسيج التركي المجتمعي الموحد، ورفع مستوى حياة الناس، وتخفيض نسبة البطالة إلى (10%) والنهوض بالنمو إلى نحو (8.5%) وممارسة الديموقراطية وإدخالها في ثقافة المجتمع، وكف يد العسكر عن السلطة وغير ذلك. ولعل هذه الإنجازات المهمة، التي غيرت مسيرة المجتمع التركي تغييراً حاداً هي التي أغرت الناخب التركي بانتخاب ممثلي حزب العدالة مرة ثالثة.
إن النتائج الناجمة عن هذا الفوز الكبير للحزب هي نتائج مهمة، ولعل الأهم منها ــ بالنسبة للبلدان العربية ــ تأثيراتها المحتملة على الوضع الحالي والمقبل في منطقة الشرق الأوسط (العربية وغير العربية)، وعلى المديين القصير والبعيد، سواء منها ما يتعلق بالتوجه العام للسياسة الإقليمية للمنطقة بمجملها، أم ذاك المتعلق بمسيرة كل بلد وسياسته، ولا شك في أن عدم الاستقرار في بعض دول المنطقة، ومحاولات الانتفاضات الشعبية في بعضها الآخر، وتغيير الأنظمة السياسية في بعضها الثالث، تؤكد القلق وعدم الاستقرار وحدوث الفراغ فيها، ومن المعتقد أن هذا الحراك سيفرز توجهات جديدة للسياسة الإقليمية ولدور كل من الدول الإقليمية غير العربية وخاصة تركيا فيها.
منذ تولى حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، غيّر السياسة الإقليمية التركية تغييراً جدياً، ورغم أن أولوية الأولويات لدى هذه السياسة بقيت الدخول إلى المجموعة الأوروبية، إلا أنه هذه المرة ليس على حساب إدارة ظهرها لمحيطها الإقليمي ومجالها الحيوي، ذلك لأن الحزب رأى أن نجاحاته الأوروبية (ودخوله منظومتها) لا تتحقق بانسلاخه عن محيطه، بل تكون أسهل لو كان لتركيا نفوذ إقليمي، ومجال حيوي، ودور أساس في تقرير مصير المنطقة من وسط آسيا إلى الشرق الأوسط. فذلك سيشعر الدول الأوروبية أنها ستربح نفوذاً في المنطقة من خلال تركيا لا يمكن تحقيقه من دونها، وعليه عادت تركيا للبحث عن دور إقليمي جديد، وكلف حزب العدالة والتنمية أحمد داود أوغلو وزيراً للخارجية وهو الأكاديمي، والمهندس لسياسة تركيا الجديدة، والمؤمن بأهمية مجالها الحيوي، وكان قد عبر عن أفكاره وقناعاته هذه بكتابه ذي العنوان (العمق الاستراتيجي) الذي يبدو أن حكومة رجب طيب أردوغان مقتنعة بما جاء فيه وبدأت تطبيق محتوياته، التي تنادي بدور ونفوذ تركي في محيطها.
هكذا ترى السياسة الخارجية التركية لحزب العدالة، ضرورة الحفاظ على مجال تركيا الحيوي التاريخي والاستفادة منه، لأن ذلك يستحق بذل أقصى الجهود لتحقيقه. وفي ضوء ذلك أعادت ترتيب علاقاتها مع دول وسط آسيا (وخاصة الناطقة بالتركية منها) وسارت في طريق تسوية خلافاتها التاريخية مع أرمينيا، كما أعادت النظر بعلاقاتها بإسرائيل، وانحازت جزئياً لحقوق الشعب الفلسطيني بعد أن كانت داعماً أعمى لإسرائيل، ورفضت بشدة احتلال الأراضي العربية، وتحفظت ـ ولو بشكل غير مباشر ـ على السياسة الإقليمية الإيرانية وأساليبها، وخاصة ما يتعلق منها بالتجييش الطائفي والتطرف، وسعت إلى تأكيد وحدة أراضي العراق ومنع تفتيته، ووسعت العلاقات الاقتصادية (وغير الاقتصادية) مع البلدان العربية، وخاصة مع جيرانها (سوريا، العراق، لبنان) وبدأت توسيعها مع دول مجلس التعاون، وحاولت تبني موقف مهتم مباشرة في انتفاضة تونس ومصر وفي أحداث ليبيا وسوريا.
يمكن الاستدلال على استمرار الحكومة التركية في سياستها الإقليمية الجديدة ودعمها من خلال الكلمة الجامعة التي ألقاها رجب طيب أردوغان بعيد إعلان نتائج الانتخابات، والتي قال فيها: (بقدر ما انتصرت اسطنبول انتصرت سراييفو، وبقدر ما انتصرت أزمير انتصرت بيروت، وبقدر ما انتصرت أنقرة انتصرت دمشق، وبقدر ما انتصرت ديار بكر انتصرت رام الله ونابلس وجنين والضفة الغربية والقدس وغزة، وبقدر ما انتصرت تركيا انتصر الشرق الأوسط)، وهكذا قارب أردوغان موقف تركيا من الموقف العربي، واعتبر النجاح التركي نجاحاً عربياً، ومن الواضح أن هذه بداية إعلان دخول السياسة التركية المباشر، أو رغبتها بالدخول، في رسم سياسة المنطقة الإقليمية بعد أن كانت تعمل من وراء حجاب.