حال سقوط النظام السابق في العراق تكشفت حقائق كثيرة عن البلد، لا تتعلق بمدى إيغال ذلك النظام في الاستهانة بحقوق المواطن وحرياته فحسب، بل بما هو أهم من ذلك، تكشف عن واقع مؤلم يتعلق بعمق الشرخ في المجتمع العراقي. فقد فشلت الحكومات المتعاقبة، في العهدين الملكي والجمهوري، في خلق هوية وطنية عراقية بعيدة عن هوية الانتماء الضيق للعرق أو الدين أو المذهب.
من جانب آخر كشفت الممارسات التي سلكها بعض النخب السياسية، بعد سقوط النظام، عن طبيعة إدراك هذه النخب لمعنى الديمقراطية وآليات العمل بها. تبين ذلك جلياً في طبيعة الدستور الذي تم وضعه، وفي قانون الانتخابات الذي لا يوجد له مثيل في غرابته، وفي الإصرار على عدم سن قانون للأحزاب، وفي تفشي الفساد الذي جعل من العراق احد أبرز الدول في حجمه عالميا. وقد كشف رئيس لجنة النزاهة مؤخراً، عن مقدار الضغوط التي يتعرض لها لإعاقة عمل الهيئة في إحالة وزراء ومديرين عامين ومستشارين إلى القضاء، بتهمة الفساد الإداري والمالي.
عراقيون كثيرون على مدى عقود طويلة من انتمائهم إلى معسكرات معارضة النظام السياسي السابق في عدد من الدول الغربية، حملوا طموحات وأهدافاً اقترب بعضها من الأحلام الرومانسية، لأنها نسجت في أجواء شخصانية بحتة تسامت فيها الذات وابتعدت كثيراً عن الواقع السياسي والمجتمعي العراقي، واقتربت كثيراً من واقع حال المجتمعات الغربية التي قضوا فيها سنوات طويلة. لقد ظنوا أن مجرد التغيير وإسقاط النظام سيجعل العراق بلداً ديمقراطياً يعيش شعبه في يمن واطمئنان، كما هو الحال في الدول الغربية. مأساة هؤلاء أنهم لم يدركوا أهمية العامل الزمني في تهذيب وصقل الأفكار والسلوكيات، حول حقوق الفرد وحرياته ومسؤولياته.
وكان لهؤلاء المحلقين في ملكوت الرومانسية أن يهبطوا إلى أرض الواقع بعد سقوط النظام، ليصابوا بصدمة شديدة حين وجدوا أبناء جلدتهم بشكل مخالف تماماً للصورة التي حملوها في أذهانهم وكرسوا حضورها في مخيلتهم، متناسين ما لثلاثة عقود من حروب وما لحصار ظالم طويل من تدمير للبنية التحتية للبلد والبنية النفسية والقيمية للمجتمع. وأصيبوا بصدمة أكبر حين رأوا أنفسهم في مرآة بلدهم الذي أصبحوا غرباء فيه.
مقابل هؤلاء حمل آخرون على مدى بقائهم في الخارج جذوة الانتقام وعملوا على الاستمرار في إذكاء لهيب الحقد الذي اعتادوا على حمله، مستلهمين ذلك من أحداث تأريخ دموي شائك ينبغي إسدال الستار على فصوله، حملوا ما يديم صراعاً ليس لهذا الجيل أو الأجيال التي سبقته دور فيه ومصلحة في إدامته، فهي غير مسؤولة عنه وينبغي أن لا تحصد تبعاته.
حمل الصنفان أجندة متشابهة في ظاهرها من حيث الشكل، لمواجهة تداعيات مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، وهي ما يتعلق بطبيعة النظام السياسي للمرحلة المقبلة، ولكن التطبيق شهد بوناً شاسعاً بين ما يعلن عنه وبين حقيقة النوايا المبيتة. فالعناصر التي اتفقت مع الولايات المتحدة على مدى لقاءات كثيرة، كان آخرها مؤتمر لندن الذي سبق غزو العراق، قد وضعت اللبنات الأساسية لنظام سياسي يستند إلى النموذج اللبناني، متجاهلين الخلل الكبير في هذا النموذج. وهكذا تشكلت أول مؤسسة للحكم (مجلس الحكم) بعد الغزو، على أساس المحاصصة العرقية والطائفية، وليس على أسس ديمقراطية حقيقية تتراجع فيها النعرات والثقافات التي تكرس الانفصام والتشرذم في المجتمع العراقي والتشظي في مواقفه الفكرية.
الصنف الأول فشل في التعامل مع الواقع، أو بالأحرى لم يجد لنفسه مدخلاً إلى هذا الواقع، فاصطدم بمواطنيه من جهة، واصطدم مع الصنف الثاني الذي استطاع الهيمنة على الوضع بكل قوة وشدة. لم يعد لهذا الصنف مكان في العملية السياسية، فالأجواء لم تسمح له بالوجود، بل عملت على تطويقه وعزله وتصفيته، وقد شهدنا على مدى السنوات التسع الماضية تصفية كوكبة من البناة الحقيقيين للدولة، في شتى المجالات المدنية والعسكرية.
هكذا هو حال الوضع في العراق، المواطن العراقي يعيش حياة قاسية بائسة، على الرغم من ثراء بلده، إذ تسلط على مقدراته أشخاص عاش بعضهم محنة الحصار الطويل والضنك الشديد، وآخرون جاؤوا من الخارج ولكنهم لم يجلبوا معهم نمط السلوك والممارسات التي اطلعوا عليها.
أزمة الحكومة العراقية لا تزال قائمة، فهي لا تزال غير مكتملة بعد مرور خمسة عشر شهراً على الانتخابات، والخلافات حول من يشغل الحقائب الأمنية لم تحسم بعد. ومع استمرار هذا الوضع غير الطبيعي في الهيمنة على مفاصل الحياة، تتفاقم معاناة الناس وهمومهم وتتصاعد احتجاجاتهم، وتزداد في الوقت نفسه قسوة السلطة وأجهزتها في التعامل مع الاحتجاجات. وكان آخر الأحداث التي فجرت الأزمة، ما جرى يوم العاشر من يونيو الجاري، بمناسبة انتهاء مهلة المئة يوم التي حددها رئيس الوزراء للإصلاحات، في ساحة التحرير في العاصمة بغداد، من عنف غير مسبوق في قمع المتظاهرين، وشحذ للنعرة الطائفية، والعمل على تسقيط بعض النخب السياسية، وعلى رأسها زعيم ائتلاف العراقية إياد علاوي.
ردود الفعل لذلك جاءت فورية، فقد وجه علاوي كلمة ملتهبة حمل فيها شخص رئيس الوزراء مسؤولية سوء الأوضاع في العراق، ومخالفة الدستور، وتوظيف موارد البلد في قمع الناس، والعمل على تسقيطه سياسياً.. كلمة اعتبرها البعض بمثابة إجهاز على أية محاولة للتوفيق بينه وبين رئيس الوزراء. في مقابل ذلك، تلقى المالكي وكتلته (دولة القانون) هذا الموقف بالتصعيد، وأصبح التراشق بالتهم بين الطرفين إحدى سمات العمل السياسي في هذه المرحلة.
أزمة العراق وصلت إلى مرحلة خطيرة لا ينفع معها إحياء مبادرة رئيس إقليم كردستان أو المزيد من الضغوط على المالكي وعلاوي، فالمشكلة ليست في الأشخاص، على الرغم من العيوب الكثيرة في سلوكياتهم، وإنما العيب في النظام السياسي نفسه الذي صنع ليكون متفجراً. علينا أن نعترف بأن العراق لا يعيش أزمة سياسية، ولكن أزمة نظام سياسي صنعه الاحتلال، ووجد فيه أمراء الطوائف ومديمو الفرقة مكاناً لتحقيق حلم الزعامة والتمتع بالنفوذ.