يمر اليمن اليوم بأزمة لا نبالغ إذا وصفناها بالأزمة الاستراتيجية، التي يمكن أن تغير وجه اليمن بعد زوالها. ونقول أزمة استراتيجية، لأنها أزمة متعددة الأوجه، فهناك مشكلة سياسية تتمثل بغالبية شعبية ترفض النظام السياسي بقيادة الرئيس علي عبد الله صالح، وهناك مشكلة اقتصادية تتمثل بتراجع اقتصاد البلاد بعد الأحداث الأمنية والسياسية التي مرت وتمر بها البلاد، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، هذا فضلا عن أزمة اجتماعية يمر بها اليمن، بكل المقاييس التي تتصف بها الأزمة، فالبلاد اليوم بدأت تلوح في أفقها ملامح الحرب الأهلية، وهناك احتمال كبير لأن تؤدي هذه الحرب إلى تقسيم اليمن إلى دويلات، هذا إذا لم يتشظّ اليمن إلى كانتونات قبلية.

ودائما كنا نسمع من الحكماء مقولة تقول بأن الطبيب إذا اخطأ في عملية جراحية، فإن الضحية ستكون شخصا واحدا وهو الشخص الذي أجريت له العملية الجراحية، أما السياسي فأي قرار خاطئ يتخذه يمكن أن يذهب ضحيته الملايين. ويمكن اعتبار قرار هتلر عندما أعلن الحرب على بولندا عام 1939 لتشتعل بعد ذلك حرب عالمية ثانية راح ضحيتها قرابة الخمسين مليوناً، كنموذج على القرار الخاطئ لصناع القرار. وبالتالي يمكن أن نصف القرار الخاطئ لصانع قرار يذهب ضحيته الكثيرون، إما أن صاحب القرار غير سوّي نفسياً، وإما أن عملية صنع القرار رافقها سوء تقدير موقف لأسباب متنوعة، كنقص في المعلومات أو أخطاء في تحليل المعلومات وربط الأحداث بصورة منطقية.

ولكن بوجود قيادة خليجية حكيمة بجوار اليمن، درست جيدا الوضع اليمني واستمعت لقوى المعارضة السياسية اليمنية، واستخلصت دروسا عديدة من استمرار حالة الاضطراب فتوصلت إلى حلول مهمة لأزمة اليمن، مفادها ضرورة أن يكون هناك انتقال سلمي للسلطة، ومن ثم تشكيل مجلس انتقالي، يهيئ لانتخابات عامة في البلاد، حتى تعود عجلة الحياة للدوران في اليمن.

فالقيادة الخليجية ومن خلال مبادرتها لليمن، عملت كناصح أمين وحريص على مصلحة اليمن، وقدمت حلولا مقنعة لكل الأطراف هناك، سواء المعارضة أو نظام الحكم، حيث ضمنت للمعارضة الانتقال السلمي للسلطة خلال شهر، وضمنت لنظام الرئيس علي صالح عدم الملاحقة القانونية.

فما كان من المعارضة إلا الترحيب بالمبادرة الخليجية، وما كان من النظام اليمني سوى المماطلة والتسويف، والقيام بأعمال استفزازية للوفد الخليجي الذي كان يتابع توقيع المبادرة بين الأطراف، توّجها بمحاصرة عسكرية لسفارة الإمارات في صنعاء، ثم تراجع النظام ليقدم اعتذارا رسميا لدولة الإمارات العربية المتحدة، ليعكس ذلك كله حالة التخبط وفقدان التوازن لسلوك النظام السياسي في اليمن. واليوم رئيس النظام مصاب ويعالج في الخارج، وأركان نظامه في حيرة من أمرهم، فمنهم من ينشق لينضم إلى المعارضة، ومنهم من لا يعرف ماذا يفعل ويعلق آماله على عودة الرئيس المصاب، والبلاد في حالة من الهرج والمرج، حيث باتت هناك تنظيمات إرهابية تعلن عن نفسها علناً أنها اشتبكت مع الجيش وكبدته خسائر فادحة، وأنها أطبقت سيطرتها على محافظة زنجبار الجنوبية، وسط فوضى عارمة لم يشهد لها اليمن مثيلا من قبل، بسبب حجم التداعيات السياسية الخطيرة التي تنتظر اليمن بعد هذه الأزمة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو؛ ماذا لو وافق الرئيس علي صالح على المبادرة الخليجية، ونفذ بنودها؟

لكان الرئيس اليوم بصحته معافى وليس مصاباً، ولكانت الأزمة خفت وتراجعت آثارها، ولما سقط العشرات من القتلى والجرحى في البلاد، لشهد اليمن مرحلة انتقالية تطوي صفحة الاضطراب لتحل محلها صفحة الاستقرار.

ولكن الرئيس علي عبد الله صالح، لم يفكر بمستقبل بلده بقدر ما كان يفكر بمنصبه وعرشه الذي سيفقده، فكان يشكك في مصداقية المبادرة الخليجية التي وضعت نصب أعينها مصلحة اليمن شعبا وحكومة، ومصلحة دول الخليج، في موضوع طرحها لهذه المبادرة. فلم يكن هناك دافع يدفع دول الخليج لهذه المبادرة، سوى الحرص على سلامة ووحدة اليمن أرضا وشعباً، والسعي إلى نشر السلم والأمن في ربوع المنطقه. ولكن يبدو أن سوء تقدير الموقف وغياب المستشارين المخلصين للرئيس، كانا وراء قراره بعدم التوقيع على المبادرة الخليجية.

واليوم ليس من المؤكد أن يعود الرئيس إلى بلاده رئيسا أو حتى معافى تماماً من إصابته، كما لا توجد أي ضمانة له من ملاحقة قانونية يمكن أن تطارده وأعضاء نظامه على الكوارث التي سببها هذا النظام لليمن الشقيق. هذه الواقعة اليمنية تمثل عبرة لنا يجب أن نستخلص منها الدروس ونتعلم الكثير، فمشورة الأشقاء المخلصين باتت عملة نادرة هذه الأيام، والتفريط فيها أو الاستخفاف بها يوّلد عواقب وخيمة، وهذا ما حصل في اليمن. فالمبادرة الخليجية كانت نعمة لليمن، ولكن تعنت الفريق الحاكم حولها إلى نقمة انقلبت عليه أولا وعلى شعبه ثانيا.