تمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً كبيرة لجر الفلسطينيين مجدداً إلى طاولة مفاوضات فاشلة سلفاً، تقابلها ضغوط إسرائيلية لإغلاق معبر رفح بين مصر وقطاع غزة، كما تحذر السلطات المصرية من السماح لأي تظاهرة تتجه نحو السفارة الإسرائيلية في القاهرة. وترفض الإدارة الأميركية البحث في تعديل اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل، أو حتى مجرد التفكير في وقف تصدير الغاز المصري إليها. كما أن احتمال قيام دولة فلسطينية على حدود العام 1967، من خلال قرار يصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2011، يلقى معارضة شديدة وصلت إلى حد التهديد من جانب الإدارة الأميركية.

لذلك تبدو الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، حلماً صعب التحقيق بسبب الفيتو الأميركي المرتقب. ما يسمح للدولة الصهيونية، ليس فقط بالبقاء على الأراضي التي تحتلها رغم إرادة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي فحسب، بل بمزيد من الاستيطان والتوسع. فحدود إسرائيل غير معروفة، لأنها الدولة الوحيدة التي قبلت في الأمم المتحدة دون حدود واضحة، وهي تعطي لنفسها الحق في التوسع تبعاً لقدرتها على استيعاب المزيد من يهود العالم.

تطالب الإدارة الأميركية القيادة الفلسطينية بالعودة مجدداً إلى طاولة المفاوضات، للوصول إلى سلام مع الإسرائيليين. وعليها أن تأخذ في الاعتبار التغييرات التي طرأت على المنطقة في العقود الأربعة المنصرمة، خاصة التبدلات الديمغرافية الجديدة على أرض الواقع.

فهناك مئات آلاف المستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في كتل استيطانية كبيرة، خاصة في محيط مدينة القدس. في المقابل، هناك ازدياد مطرد في عدد الفلسطينيين، داخل فلسطين المحتلة وفي مخيمات الشتات، بحيث يقارب عددهم عدد اليهود في العام 2014، ما جعل القنبلة الديمغرافية الفلسطينية ترعب إسرائيل، خاصة بعد المصالحة الفلسطينية الأخيرة وإمكانية الجمع بين التفاوض السلمي والكفاح المسلح معاً، لضمان مصالح الشعب الفلسطيني.

لقد بدت تصريحات الإدارة الأميركية شديدة الوضوح، خلال الأسابيع القليلة الماضية. وهي تحمل موقفا ًأميركياً معتدلاً في ظاهره من القضية الفلسطينية، لكنه شديد الفجاجة في التعبير عن حقيقته المزدوجة:

أ ـ انحياز كامل لإسرائيل دون أن يقيم وزناً لجميع قادة العرب، بعد أن تحول بعضهم إلى جلادين لشعوبهم.

ب ـ ضغوط أميركية متزايدة على الأنظمة العربية المتهالكة، والتي تعجز عن اتخاذ أي موقف معاد لإسرائيل في المرحلة الراهنة، وهي مطالبة بتقديم المزيد من التنازلات إرضاء للإدارة الأميركية، بصفتها المخطط والمنفذ الأساسي لمشاريع التسوية في الشرق الأوسط.

وتتوافق الإدارة الأميركية مع مثيلتها الإسرائيلية، على أن حدود الدولة الفلسطينية المزمع إقامتها نظرياً، يجب أن تكون فقط على الجانب العربي، وتحديداً مع مصر والأردن. فلن تكون هناك حدود معترف بها بين فلسطين وإسرائيل، طالما أن الدولة الصهيونية ما زالت تتوسع لتضم جميع يهود العالم. والحدود المقترحة زئبقية وغير ثابتة، وكذلك السياسة المتبعة التي تقوم على ضغوط أميركية وإسرائيلية مشتركة، لتحقيق خطوات تدريجية على أرض الواقع العربي، وحسب ما تقتضيه مصالح اليهود وقدرة دولتهم على استيعاب المزيد منهم.

ثابرت إسرائيل طوال العقود الأربعة الماضية على إدخال تغييرات جذرية على أرض الواقع، في حين بقي العرب ينتظرون من الأمم المتحدة أن تخوض معركة الدفاع عن قضاياهم القومية نيابة عنهم، وبموافقة الإدارة الأميركية. فكانت النتيجة أن إسرائيل رفضت الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، وأضافت إليها مستوطنات جديدة على أرض فلسطين وجوارها، دون أن تواجه مقاومة مسلحة تجبرها على الانسحاب منها كما حصل في لبنان.

تتبنى الإدارة الأميركية قلق إسرائيل من مخاطر إقامة دولتين متجاورتين، لشعبين يتنازعان أرضاً واحدة. وقد انحازت بالكامل إلى يهودية الدولة الصهيونية لتكون دولة لجميع يهود العالم، وفق حلم توراتي لأرض الميعاد. وتعتبر أن من حق إسرائيل الدفاع عن الأراضي التي احتلتها منذ العام 1948، وأنه لا مجال للتنازل عنها. وقد دانت مظاهرات الشباب العربي في ذكرى النكبة وذكرى النكسة، عند الحدود مع الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية المحتلة. وباركت قمع إسرائيل الذي أودى بحياة عشرات الشباب ومئات الجرحى من العرب، واعتبرته حقاً مشروعاً للدولة الصهيوينة في الدفاع عن حدودها، علماً أنها حدود مغتصبة وغير معترف بها من الأمم المتحدة التي تطالبها بالانسحاب الفوري منها دون قيد أو شرط.

ويتسم الخطاب الأميركي بفجاجة تصل إلى درجة الاستخفاف بالعرب، الذين يتكلمون كثيراً ولا يفعلون سوى الشكوى للأمم المتحدة. وهي تعيق الوصول إلى أي موقف عربي موحد، في مرحلة استنفر فيها زعماء العرب كامل طاقاتهم العسكرية والمادية للتقاتل على السلطة، وتجاهل خطر العدو الإسرائيلي على طريقة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال. أما جيوشهم النظامية فتقاعدت منذ زمن بعيد، ولم تحضر لأي معركة مرتقبة ضد العدو الصهيوني.

وبعد أن تعهدت الإدارة الأميركية بزيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل كماً ونوعاً لحمايتها من الخطر الكبير المحدق بها، كثفت جهودها لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وتعمل على تجريد جميع المنظمات المعادية لإسرائيل من سلاحها، خاصة حركة حماس في فلسطين، و«حزب الله» في لبنان. وتساند قوى المعارضة لإسقاط النظام السوري، وتتصدى بحزم لتوجه الفلسطينيين نحو الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على اعتراف دولي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ختاماً، تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة تبدلات سريعة. فالوضع الراهن فيها يتطلب عملاً دولياً كثيفاً، لمنع الانفجار الكبير الذي يصعب استيعابه، بعد أن سقط نظام القمع في أكثر من دولة عربية وانتشر السلاح بكثافة بين شعوبها. وليس بمقدور إسرائيل أن تبني دولة ديمقراطية لجميع يهود العالم، كما أن مواصلة سياسة الاستيطان واحتلال المزيد من الأراضي العربية، يشكل تحدياً سافراً للانتفاضات الشبابية العربية. فالتقدم التقني والعسكري لم يعد حكراً على إسرائيل، بعد أن احتل الشباب العربي المنتفض مركز القرار، وهم يرفضون الاستمرار في تنفيذ سياسة متخاذلة.

وقد عززت المصالحة الفلسطينية ركائز الوحدة الداخلية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي، كحركة تحرر عربية جديدة تنتسب إلى قوى عالمية، تعمل على بناء عولمة أكثر إنسانية من العولمة العسكرية التي يقودها القطب الأميركي منفرداً.