كان من نتائج حرب يونيو 1967 أن احتلت إسرائيل أراضي عربية، تعادل تقريبا أربعة أمثال مساحتها المعروفة منذ عام 1948. وقتذاك، أبدت بعض العواصم الأوروبية انزعاجها من تلك النتيجة، ولا سيما بعد أن أفصح قادة إسرائيليون صراحة عن نيتهم تعديل حدود دولتهم، بضم أجزاء من الأراضي التي احتلوها. وفي ذلك السياق، كانت باريس الأكثر جرأة حين أعلنت وقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، على سبيل معاقبة الطرف الذي بادر بشن الحرب.
والواقع أن تلك المواقف لم تصدر عن تأييد للجانب العربي، ولا عن انحياز ضد إسرائيل؛ التي ظلت أثيرة لدى الحكومات الأوروبية وقريبة من عواطفها إلى ساعتنا هذه..
الأمر وما فيه أن الأوروبيين قرأوا بعض تداعيات تلك الحرب على مصالحهم ورؤاهم لمستقبل العلاقات الإقليمية داخل قارتهم ذاتها. لقد تخوفوا من عواقب قيام دولة بتغيير الحدود، على حساب دولة أو دول أخرى في الجوار، باستخدام القوة المسلحة.
بصيغة أخرى؛ قارب بعض الأوروبيين النابهين نتائج حرب 1967، وفي خواطرهم أن التدافع على الموارد وأطماع التوسع وإعادة رسم خرائط الحدود الوطنية، تسببت في إشعال حربين عالميتين طاحنتين في قارتهم، خلال ما يقل عن ثلاثين عاماً.
وسواء جاء ذلك التقدير العقلاني عن مراعاة لمنطق العدل والحق وشرعة القانون الدولي السوية، أم كان تجليا للخبرة الذاتية والخوف من انتقال عدوى الفعلة الإسرائيلية إلى الرحاب الأوروبية، فإنه يبقى تقديراً صحيحاً..
ففكرة تعديل حدود الدول المتجاورة بالقوة، تحت أية ذريعة، تحمل في طياتها نذيرا بالشؤم والاحتراب والخراب العاجل أو الآجل. غير أن أكثر الدعاوى والحجج صفاقة واستحماقا على الخلق في إطار الأخذ بهذه الفكرة، هي تلك التي تتذرع بمفهوم الحدود التي يمكن الدفاع عنها، على غرار ما أعلنه قادة متنفذون إسرائيليون مراراً، وآخرهم رئيس الوزراء بنيامين نتيناهو، أمام منظمة (ايباك) الصهيونية في مايو الماضى.
بصفة عامة، كان يمكن لهذا الزعم أن يلقى بعض التفهم في الأزمان الغابرة؛ وقت أن كانت أسلحة الهجوم والدفاع تقوم على السيوف والرماح، أو حتى المجانيق، التي يتوسل بها مقاتلون يركبون الخيل والبغال والجمال والحمير!.. فقد كانت بضعة كيلومترات، وأحيانا عشرات أو مئات الأمتار، التي قد تفصل بالزيادة والنقصان بين المتحاربين، تؤثر ملياً في مجريات المعارك أو مستوى أمن هذا الطرف أو ذاك.
أما في زمننا هذا، الزاخر بأدوات الرماية والتدمير من السماء والأرض؛ عن قرب وعن بعد، مهما كانت المسافات والمساحات والدفاعات الطبيعية والاصطناعية، فإن على نتنياهو وبطانته أن يقدموا للمعنيين عرضاً تفصيلياً وتفسيرياً، لما يقصدون بالحدود التي يمكن أو لا يمكن الدفاع عنها!
مثلاً؛ كيف لضم منطقة الحرم القدسي، بل ولمستوطنات الضفة كلها على مسافة ميل أو أقل من حدود إسرائيل لعام 1967، أن يعزز أمن هذه الدولة التي يقال إنها تستعد لاحتمال مهاجمتها من السفوح الإيرانية التي تبعد عنها بأكثر من ألف كيلومتر؟ ومن هو العسكري المحترف أو رجل الفكر الاستراتيجي، الذي سيدخل في روعه أنه بتحريك إسرائيل لحدودها قليلا إلى الشرق أو الشمال أو الجنوب، سيمسي أمنها أكثر قوة ومنعة مما كان عليه قبل 1967؟ وما علاقة الحدود القابلة للدفاع عنها لدى إسرائيل، باتخاذ القدس عاصمة أبدية موحدة لها أو بضم هضبة الجولان؟!
في حربها على لبنان وحزب الله عام 2006، تلقت إسرائيل ضربات صاروخية، أجبرت سكانها في الشمال على النزوح الجماعي نحو الجنوب، وهدد حزب الله بقصف ما بعد بعد حيفا، ثم بقصف مابعد تل أبيب، فلماذا لم تتكفل منطقة الجليل بقضها وقضيضها بتوفير حدود آمنة لتلك المناطق؟ ولقد انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان ثم من قطاع غزة، ليس لأنهما فشلا في أن يوفرا لها حدوداً يمكن الدفاع عنها، وإنما لأنهما لم يهيئا لها احتلالا واستيطانا آمنا.
من تجاربهم المريرة مع أغراض التوسع؛ المغلفة بدعاوى الحدود الآمنة والمجالات الإقليمية الحيوية، انتهى الأوروبيون إلى أنه ليس بضم الألزاس واللورين إلى فرنسا أو إلى ألمانيا، تتحقق لهاتين الدولتين الحدود التي يمكن الدفاع عنها.. وفهموا أيضاً أن هذه الحدود ليست رهنا بمراكمة الأسلحة والعتاد الحربي وخطوط النار العصية على الاختراق (مثل خط ماجينو).
لقد أيقنوا بعد أن دفعوا ثمنا باهظا من الأنفس والأموال والثمرات، أن الحدود الآمنة معلقة باحترام حقوق الشعوب وأشواقها إلى الحرية والاستقلال وتقرير المصير، وفي الانصياع لإرادة القانون الدولي وحقوق الإنسان. وهذه بالضبط هي القناعة أو الوصفة السحرية، أو الحدود التي يتحتم على إسرائيل العمل عليها والعيش في إطارها، لتضمن لذاتها حياة آمنة.