هناك، على ما يبدو، ثروة جيدة يمكن تحقيقها من خلال كون الشخص اشتراكياً محترفاً. وحالياً يقيم «دومينيك ستروس ـــ كان» الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي وأفضل مرشح سابق للرئاسة كان يأمله الحزب الاشتراكي الفرنسي، في منزل يبلغ إيجاره الشهري 50 ألف دولار، في منطقة تريبيكا في ولاية مانهاتن الأميركية، بعدما بادرت زوجته عاشقة اقتناء أعمال بيكاسو، بسداد كفالة قيمتها مليون دولار وضمان سندات بقيمة 5 ملايين دولار.

ولا يشمل هذا فاتورة شهرية تقدر قيمتها بـ280 ألف دولار للمحققين والمحامين، من أجل تبرئته من الاتهامات المنسوبة إليه بالاعتداء الجنسي على خادمة في فندق فخم في مدينة نيويورك. كل هذا التباهي بالثروة من قبل شخص كان يفترض أن يصبح أفضل أمل للجماهير الفرنسية الفقيرة العريضة، أجبر حزبه على الاعتراف بقطع الصلة به. يقول «بينوا هامون» المتحدث باسم الحزب الاشتراكي، إنه يتفهم أن «هذا يمكن أن يصدم ملايين الفرنسيين».

ذلك أن «ستروس ـــ كان»، أو «دي إس كي»، هو موظف فرنسي منذ فترة طويلة. ويعتبر تقلد قمة الخدمة العامة والسياسة، بمثابة الطريقة التي يصير بواسطتها اليساريون أغنياء، وهي في الحقيقة الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تفعل ذلك، بصرف النظر عن الزواج من الأغنياء أو وراثة ثروة، وذلك لأن نموذج أعمالهم لا يسمح بالمزيد دون الخوض في أنشطة رأسمالية.

حتى الرمز المعترف به عالمياً في النزعة اليسارية المتطرفة، وهو «تشي جيفارا»، كان نتاجاً للمجتمع الأرجنتيني الراقي، وكان يستثمر في شركة لليخوت قبل أن يبدأ قيادة الفلاحين في الثورة ضد الرأسمالية.

وكان «دي إس كي» يعمل رئيس بلدية وعضواً في البرلمان ووزيراً، وبعد ذلك كان يتقاضى راتباً سنوياً بقيمة 500 ألف دولار كرئيس لصندوق النقد الدولي. كلما أرى ثرياً يصف نفسه بأنه اشتراكي، فإن من قبيل الرهان المؤكد أنه، مثل «دي إس كي»، قد سقط فوق كومة هائلة من مال شخص آخر في مرحلة ما. وتعد مسألة إعادة توزيع الثروة في المقام الأول تجاه أنفسهم، بمثابة الطريقة التي يعيش بها الاشتراكيون، والتي مفادها أن ما يملكه دافع الضرائب هو ملك لي، وما تملكه الزوجة هو ملك لي، وما يدخل غرفتي في الفندق هو (على نحو مزعوم) ملك لي.

ففي أحد برامج البث المباشر على تلفزيون «بي إف إم» الفرنسي، من شقة «دي إس كي» الجديدة التي كان يعيش فيها مؤخراً، يرفع المذيع غلافين من صحف نيويورك معبراً عن صدمته إزاء تكاليف معيشته الشهرية، شارحاً للمشاهدين الفرنسيين أنه رغم أن الأميركيين يعانون عقدة بشأن المال أقل من الفرنسيين، إلا أنهم لا يزالون مندهشين إزاء الإنفاق الباذخ لـ« دي إس كي»، ذلك أنه من المفترض نظرياً أن تكون شهرته الجديدة بديلاً عن زنزانة.

ليس الكثير ممن يتهمون بالاعتداء الجنسي ينتهي بهم المطاف إلى منصة جديدة في غضون أسبوع من إطلاق سراحهم، ناهيك عن شخص كان من المفترض أن يمثل أملاً كبيراً لما يسمى (الحزب الشعبي) في وطنه.. من الصعب ألا نتعجب من الطابع الصادم للأمر كله!

ليس مرد الأمر إلى أن الاشتراكيين لا يستحقون أن يتقاضوا أجراً جيداً مقابل عمل منتج ومتقن، لكن الكلمة الأساسية هي «منتج». فعلى سبيل المثال، كان من المقرر أن يضع «دي إس كي» خطة تقشفية واستراتيجية لليونان لخفض ديونها، في مقابل حزمة إنقاذ بقيمة 110 مليارات يورو من بلدان منطقة اليورو. ولا ينبغي لرئيس صندوق النقد الدولي أن يحصل على سنت واحد كراتب حتى تنجح مشورته، وتستفيد اليونان بناء على ذلك.

وينطبق الشىء ذاته على خطة الإنقاذ التي قدمها الاتحاد الأوروبي بقيمة 78 مليار يورو، للبرتغال لتوفيق أوضاعها. يتعين على رئيس صندوق النقد الدولي إلقاء محاضرات عليهم لكونه مؤهلاً لذلك، ولو أن هذا الهراء يساعد في دفع أشرعة سفينتهم من الغرق لكي تسير في الاتجاه الصحيح، إذن ينبغي عليه الحصول على نصيب من الصفقة.

وبدلاً من ذلك، فإننا نسمع أن دولاً مثل تونس تراجع النمو الاقتصادي فيها من 7.3% إلى 7.1%، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي. يبدو أن أداء رئيس مؤسسة دولية مثل «دي إس كي»، كان دون المستوى. وينبغي لمن يريدون أن يكونوا مسؤولين عن العالم، أن يتحملوا المسؤولية عن العالم.

إن التناقض الكبير يكمن في أن الاشتراكيين مثل «دي إس كي»، يريدون إدارة شؤون بلدانهم والعالم بأسره، بينما يتمتعون بالسلطة والهيبة والرواتب المرتبطة بذلك. ولكنهم لا تتم مساءلتهم أو تحميلهم المسؤولية عن أية نتائج. فلو أنهم تمكنوا من حل مشكلات العالم، فسوف تتم إقالتهم. إذا لم يكن بوسع الدول الاعتماد على صندوق النقد الدولي، فسوف تجبر على تنظيم نفسها، وهو ما يعني احتمال خفض التكاليف وتقليص مهام الحكومة. ومن شأن الحكومة المحدودة، أنها لا تعتمد اعتماداً كبيراً على موظفي الخدمة المدنية والإدارات الكسولة.

كان يتعين على «دي إس كي» وغيره من المتباهين بأنفسهم، أن يبحثوا عن شيء أكثر فائدة للقيام به.

تضمن أكبر ادعاء لـ«دي إس كي» باستحقاق الشهرة قبل تولي مهمة صندوق النقد الدولي، هو إعادة نظام العمل لمدة 35 ساعة في الأسبوع الذي تم إلغاؤه في وقت لاحق، الأمر الذي يعرقل الرأسمالية ويجبر أرباب العمل على دفع الراتب نفسه مقابل إنتاجية أقل.

ومن المفارقات أن مثل هذا النوع من التفكير نفسه، هو الذي كان يتعين عليه وهو يدير صندوق النقد الدولي، إنقاذ دول الاتحاد الأوروبي المتعثرة منه. وسيكون المقابل لذلك على مستوى القطاع الخاص شخص يدمر منزلك، وبعد ذلك يقدم لك الفرصة لتدفع له من أجل إعادة بنائه. إن «دي إس كي» والاشتراكيين عموماً، يجيدون توفير فرص العمل والثروة لأنفسهم.