التاريخ يعيد نفسه في البلدان العربية التي تشتعل فيها الثورات الشعبية، وليس من الذكاء السباحة ضد التيار دون التفكير في عواقبه. فالنهاية باتت واضحة ولا يمكن السيطرة عليها أيا كانت القوة العضلية التي نمتلكها. وما يدور الآن في أروقة مجلس الأمن بخصوص سوريا يمهد لحدوث ما يحدث في ليبيا وفي اليمن من ضربات جوية (غربية بهدف استعماري) حتى تتم إزاحة النظام القائم وإحلاله بنظام يتناسب مع الوضع الجديد على خارطة الشرق الأوسط ومع تطلعات الدول الغربية في المنطقة لتحويل خارطة الوطن العربي إلى ستين دويلة بدلا من عشرين دولة. وقد نجحوا في العراق، فما يمنعهم من ذلك في غيرها؟

النظام السوري لم يعد أمامه فرصة للخيارات،. حتى لو افترضنا أنه نجح بكل وسائله في قمع ثورة التغيير والثأر القائمة، فالأمور لن تستتب في سوريا إلى أن تقوم القيامة. فقد خرجت الأمور عن نصابها. وإن تم إسكاتها اليوم بالقوة فسوف تنفجر في اليوم الذي يليه بقوة مضادة.

وهكذا. ثم أن الكرة أصبحت في قصر النظام الحاكم وأصبح العالم بأسره متعاطفا مع الشعب السوري (الذي بدأ رحلة التشرد) لما يشاهده على شاشات التلفاز من أشكال القمع والتعذيب التي تفننت في إبرازها وسائل الإعلام الغربي وبشكل ربما يكون مبالغ فيه.

النظام الحاكم في أي بلد من العالم يجب أن يمارس واجباته على أكمل وجه، أو يتخلى عن السلطة إلى غيره. وحيث إن لا حاكم عربي يحلم بالتنازل قيد أنملة عن السلطة التي تحولت إلى ما يشبه الأمر الإلهي، فلم يعد أمامه إلا أن ينقذ نفسه. ولكي ينقذ نفسه عليه أن يبدأ عمليا في ممارسة الواجبات الملقاة على كاهل كرسي الحكم. وأولى هذه الواجبات الحفاظ على وحدة الوطن والشعب. وفي حالة انفرط هذا العقد، خسر البلد وبالتالي خسر كرسي الحكم الذي التقطه إما بالانتخاب أو بالوراثة.

وفي حال سوريا اليوم، فإن الشروخ التي بدأت تظهر على سور الوطن بدت واضحة للعيان. وما أدل على ذلك من تسمية الجمعة الماضية بـ (جمعة العشائر). وكما نعلم جميعا فإن سوريا تتشكل من موزاييك عجيب من الطوائف المختلفة التي لا يفصل الواحدة عن الأخرى منها في بعض الأحيان سوى طريق بعرض متر واحد.

وإلى هذه اللحظة لم تحاول هذه الطوائف أن تتحول إلى فرق متحاربة كما حدث في لبنان. ولكنها تشكل في مكمنها قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، بمجرد ما أن تقوم إحدى الجهات الخارجية القريبة من سوريا ومن حولها بإلقاء مجرد عود ثقاب صغير على فتيلها. وهذه الظروف غير المستقرة التي تعيشها سوريا حاليا قد تجرها إلى مثل هذا الانفجار.

وبالتالي فإن هذه التشققات سوف تتسع بما يسمح بدخول حصان بحجم حصان طروادة. وهذه سياسة غربية قديمة معروفة (منذ زمن هوميروس) لدخول المنطقة واحتلالها والسيطرة عليها لإبقائها رهن إشارتها وتأمين مصالحها.

وحيث إن واحدة من واجبات النظام الوطنية الملزمة هي المحافظة على تماسك الأرض ووحدة الشعب وعدم تحويله إلى دويلات طائفية متحاربة ومنفصلة، فعليه والحالة هذه أن يضع مصلحة البلد التي حكمها على مدى عقود من الزمن فوق كل اعتبار، فالأوضاع في سوريا اليوم لا تبشر بخير.

الدكتور بشار الأسد، يختلف عن حسني مبارك وزين العابدين بن علي والمعمر القذافي وعلي عبد الله صالح بأنه ينتمي إلى جيل الشباب الذين عايشوا التقدم العلمي والثقافي والعولمة بشكل كبير جدا. فهو من مواليد عام 1965، وبالتالي هو أقرب إلى متابعة ما يحدث في الشارع السوري وما يفكر به شباب وطنه أكثر من غيره ممن حكموا سوريا من قبله.

وهو لا بد وأن يكون قد وضع حساباته على كرسي المعالجة لما ينتظر بلده في المرحلة الراهنة، وأن مجرد اتهام جهات خارجية كما اتهم القذافي وصالح القاعدة ـ بإثارة الاضطرابات والفتن الداخلية، لن يحل المشكلة ولن يجنب الوطن الزلازل التي ستأتي على الأخضر واليابس وستحول سوريا إلى مستعمرة فرنسية ـ بريطانية مرة أخرى. أما استمرار الأوضاع على ما هي عليه، فهذا لن يجلب له الاستقرار. إن اقتلاع سن مصاب بالتسوس خير من احتمال الآلام المبرحة. إنه طبيب الأسنان العالم بمدى خطورة تطورات التسوس!

يبدو أن التجارب المستخلصة من ثورات التغيير في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن فيما يتعلق بوعود التغيير وتطبيق الديمقراطية الغربية والحوار الوطني التي يطلقها الحكام في آخر أيامهم، لم تعد تجدي نفعا ولا تجد آذانا صاغية.

وللشعوب حق في ذلك، فواحدة من واجبات النظام الحاكم أن يوفر لمواطنيه حق الحياة الكريمة وحرية التعبير دون خوف. وليس من المقبول طرح مثل هذه التخفيضات والتنزيلات عندما تمسي البضاعة غير مرغوب فيها.

وحيث إن الأمر كذلك، فمن الكرامة الوطنية ترك السلطة للشعب يقرر ما يشاء، حتى ولو كان الحاكم بأمر الله على حق. فلم يعد الحق هنا لبقاء هذا أو لذاك، وإنما لبقاء الوطن. واليوم هذه البلدان أمام خيار صعب. فقد وقعت في مطب السيطرة الغربية على تقرير مستقبلها. تماما كما حدث في العراق. وعلى هذه الأنظمة أن تجنب بلدانها هذا المرض المزمن.

هل يرضى هؤلاء الحكام بعد كل هذا العناء والتاريخ الطويل في الحكم، أن يسجل في كتب التاريخ بأنهم كانوا السبب المباشر في تمزق الوطن وإراقة الدماء وعودة الوصاية الغربية على شعوبهم؟