أفرز هذا الوضع واقعا اجتماعيا جديدا . فمئات من المواطنين أصبحوا اليوم يعملون بعيدا جدا عن إماراتهم ويمضون يوميا الساعات الطوال على الطرقات بما في هذا الخيار من مشقة ومخاطــر كالحوادث المرورية مثلا وهدر الكثير من الوقت والذي يمكن أن يقضيه الفرد مع عائلته وغيرها من الآثار. أما البعــض الأخــر ففضل الحلول الجزئية أو المؤقتة كبقاء الزوج مثلا في مكــان عمله وبقاء الزوجة مع الأولاد في مكان مقر سكنى العائلة على أن يأتي لهم رب الأســرة في نهــاية الأسبوع.

وهذا الحل على الرغم من أنه اقتصادي ومنطقي ومريح لطرف إلا أنه خلق وضعا اجتماعيا غير مريح بالنسبة للأطراف الأخرى. وتفاقم الوضع مع ازدياد عدد من اختار هذا الحل خاصة مع عدم وجود فرص عمل جديدة في لإمارات الكبيرة والتي تتميز أصلا بالكثافة السكانية العالية وغلاء المسكن وارتفاع تكاليف الحياة وزحام الطرقات، في وقت بات إيجاد أو إيجار مسكن كبير ومناسب يضم الأسرة كلها ضربا من المستحيل.

لذا يفضل كلا الزوجين ولتخفيف النفقات أن يذهب الزوج للعمل على أن تبقى الأسرة في محل إقامتها. وهكذا أصبح مئات من المواطنين، خاصة الذكور، يتركون أسرهم قسرا في إمارتهم الأصلية والبقاء بعيدا عنها حتى الإجازات العامة. أما الزوجة ففي كثير من الأحيان ونتيجة إما لعملها وإما لاضطرارها إلى البقاء في محل السكن خاصة إذا ما كان لديها أولاد في سني التمدرس، اضطرت إلى البقاء معهم. وهكذا أصبحت عشرات بل مئات من العوائل المواطنة تعيش هذا الوضع غير الطبيعي.

ترتب على هــذا الوضــع واقعــا اجتماعيا جديدا، وهــو زوجــة بدون رب الأسرة وزوج بدون عائلة. ولا يخفي على أحــد الآثار النفسية والاجتماعية لهذا التباعد الأسرى.

فكــم من عائلة تشتت نتيجــة لابتعاد الأب الطويل والقسرى عن الأســرة، وكم من طفل شب بعيدا عن رعاية الأب خاصة في ظل عمل الأم أو عدم قدرتها على متابعــة شؤون الأولاد خاصة في فترات حرجة من نموهــم. فالدراسات التي أنجزت حتى الآن تظهر التأثيرات السلبية والسيئة التي تسفر عن غياب الأب الطويل عن المنزل خاصة مع انشغال الأم هي الأخرى بعملها.

فجانب كبير من انحراف الأبناء هو من تأثير غياب الأب عن المنزل. والغريب في الأمر أن بعض الآباء يستمرىء هذا الوضع ويفضل أن يلعب دور الحاضر الغائب. فهو حتى مع حضوره يكتفي بإغــداق المال على أبنائه لتعويضهم عن غيابه الطويل دون الاهتمام المباشر بشؤون الأسرة والتي ترك أمر تصريفها للزوجة الذي يعتقد أنها وبحكم تواجدها الدائم مع الأسرة، أقدر بحل ومتابعة تلك الأمور منه.

لذا يكتفي، حتى في حضوره، باتخاذ موقف سلبي تاركا أمر تصريف شؤون العائلة والأبناء للزوجة. هذا الغياب فجر مشاكل كثيرة نراها واضحة الآن ونحاول أن نخفيها نتيجة لما يسببه ظهورها أو الإعلان عنها من مشاكل وقضايا تصل بعضها إلى درجة كبيرة من الخطورة والتفسخ الاجتماعي.

من ناحيــة أخرى فرض غياب الرجــل الطــويل واقعــا اجتماعيا أخــر. فظهــر ما يعــرف باسم الأسرة الأنثوية أي تلك التي قوامها المرأة، وهو نمط حياتي قديم ــ جديد. ففي الماضي كان رب الأســرة يغيب في المغاصات لفترة طويلة ولكن الأسرة لم تكن بدون رعاية أبويــة ممثلة في الجد أو العم الذي يوكل إليه أمر الأسرة حــتى رجــوع الأب والذي يأخذ أمر الرعاية الأسرية حالما يرجع.

أما الآن فقد تغير الوضع. فقد تخلى بعض الآباء طواعية عن دورهم الحقيقي وأصبح وجودهم واجهة تكميلية فقــط للمنظــر الأســرى. فالأمور المهمة تبت فيها الزوجــة وهــو ما يعنى ضمنيا تخلي الأب عن دوره الأسري وواجباته الاجتماعية وتحوله إلى مجرد أداة اقتصادية.

وترتب على هذا الوضع تخلل المنظومة الأسرية وتفســخ العلاقات الأســرية والاجتماعية، فكثرت حالات الطلاق وانحــراف الأبناء والخلافات الزوجية وبات التقاعد المبكر أحد أبرز الحلول لتفادي هذا التباعد الأسري وهذا الوضع الشاذ.

أن هذا الواقع الجديد في تزايد مستمر نتيجة استمرار الأوضاع الاقتصادية على حالها وتزايد تأثــيراتها المختلفــة علــى الفــرد والأسرة. ولذا فــإن وضــع الحلــول التي تخــفف مــن هــذا الوضــع هــو في مصلحة المجتمع. فمثلا أحد الحلول هو إنشاء شبكة قطارات تربط أرجاء الدولــة بعضها البعض بطريقة مريحة وسهلة تجعل العامل في منطقة ما قادرا على الوصول إلى أسرته في أقل وقت ممكن. كذلك أعادة ترتيب وتوزيع سوق العمل بحيث يمكن للأسرة من البقاء موحدة.

إن الأسرة هي نواة المجتمع ومتى ما صلحت واستقرت كان في ذلك صلاح المجتمع كله.