استخدم الجيش الإسرائيلي أقصى درجات العنف والهمجية لمنع الشباب الفلسطينيين والسوريين الذين قرروا الدخول إلى فلسطين عن طريق الجولان بمناسبة يوم الخامس من يونيو، وأطلق عليهم الرصاص الحي وقتل العشرات وجرح المئات من الذين قاموا بمحاولة العبور للمرة الثانية خلال عشرين يوماً.

وكانت المحاولة الأولى حدثت يوم 15 مايو الماضي في ذكرى نكبة فلسطين وإعلان قيام الدولة الإسرائيلية، وقد أكدت الحكومة الإسرائيلية في بيانها الذي أصدرته في أعقاب المجزرة (مشروعية ردها ومشروعية عنفه) معتبرة أن هؤلاء الشباب أرادوا (انتهاك حدود إسرائيل) وأنهم مدعومون ومشجعون من السلطات السورية التي تهدف إلى تصدير مشاكلها الداخلية أو صرف الأنظار عن هذه المشاكل.

يلاحظ أن السياسة الإسرائيلية تصر على اعتبار الأراضي السورية المحتلة (الجولان) أراضي إسرائيلية، وعليه فإن اختراق هذه الأراضي من قبل هؤلاء الشباب هو انتهاك (لحدود إسرائيل ولأراضيها)، وغني عن البيان أن أراضي الجولان المحتل هي أراض سورية، ليس في المفهوم السوري فقط، وإنما أيضاً حسب القانون الدولي والأعراف الدولية، .

ولم يعترف بلد في العالم بأن هذه الأراضي إسرائيلية، وحتى الحكومات الإسرائيلية المتتابعة نفسها سواء منها حكومات حزب العمل (إسحق رابين، إيهود باراك) أم حكومة الليكود السابقة برئاسة نتانياهو، أم حكومة كاديما برئاسة شارون ثم أولمرت اعترفت جميعها خلال مفاوضاتها مع الحكومة السورية برعاية أميركية ثم تركية بأن هذه الأراضي سورية، .

وأعلنت قبولها المبدئي بالانسحاب منها، ضمن شروط معينة، ورغم ذلك ها هي الحكومة الإسرائيلية تقول الآن ـ وبصراحة ووقاحة وبصوت جهوري ـ أن هؤلاء الشباب يودون اختراق الأراضي الإسرائيلية، وانتهاك حدود إسرائيل.

 

إن تقاليد الجيش الإسرائيلي بقمع المتظاهرين من فلسطينيين وعرب، التي ألفناها، كانت عادة تسير متدرجة من محاولات القمع بالهراوات ثم تتصاعد إلى القنابل المسيلة للدموع،.

 

وأخيراً بالرصاص الحي، وأصبح هذا التقليد معروفاً وثابتاً لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ولدى السوريين في الجولان، ويبدو أنه (ألغي) هذه المرة، حيث أطلق الجيش الإسرائيلي الرصاص الحي منذ اللحظات الأولى ودون التدرج بالعنف على خلاف العادة،.

 

ويؤكد هذا التغيير قناعة إسرائيل بخطورة الفعل (أي دخول المتظاهرين العزّل إلى فلسطين) ولذلك رفعت درجة ردة الفعل، ولأنها تدرك النتائج الكارثية لهذه الوسيلة النضالية الجديدة، فقد قابلتها منذ اللحظات الأولى بأقصى درجات الشدة والهمجية، وقتلت العشرات وجرحت المئات بإصرار وتصميم مسبقين على ارتكاب هذه المجزرة.

 

تجاهلت الدول الأوروبية والإدارة الأميركية واللجنة الرباعية ومجلس الأمن ومنظمات الأمم المتحدة، بل ومنظمات حقوق الإنسان العالمية ارتكاب إسرائيل لهذه المجزرة، باستثناء إبداء القلق (مع تفهم الفعل الإسرائيلي) وكأن إسرائيل مارست حقاً من حقوقها، .

 

ومع أن العرب تعودوا على مثل هذه المواقف الأميركية والأوروبية، التي تتجاهل جرائم إسرائيل، إلا أن عملية التجاهل هذه المرة كانت متخاذلة وتشير إلى استقالة الدول الكبرى والتجمعات الإقليمية عن القيام بدورها الدولي والإنساني وواجباتها إزاء العدل والسلم والأمن العالمي، ويبدو أنها لا تتذكر حماية المدنيين ومظاهراتهم السلمية سوى عندما يتعلق الأمر بالبلاد العربية، .

وبالصراعات داخلها بين شعوبها وأنظمتهم السياسية، وبالإجمال كان الموقف الإسرائيلي مختلفاً وغير تقليدي، لأن السياسة الإسرائيلية تدرك معنى أن يزحف الفلسطينيون إلى بلادهم بالآلاف وربما بعشرات الآلاف في المستقبل، بهدف تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالعودة بأنفسهم وبصدورهم العارية بعد أن سئموا من التخاذل والنفاق الدوليين.

إن الحدث استثنائي أيضاً على الجانب السوري والفلسطيني كما هو على الجانب الإسرائيلي، وسواء كانت السياسة السورية هي التي شجعت هؤلاء الشباب لأسباب داخلية سورية أم كانت الأسباب تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي أم لأي سبب آخر، فإن الأمر يؤسس أسلوباً جديداً في الصراع، ويشكل تعويضاً عن عجز العرب في اللجوء إلى الحروب التقليدية، ووسيلة قد تعجز إسرائيل عن مواجهتها أو التغلب عليها في المستقبل، وخاصة إذا استفحلت، وأصبحت نهجاً للنضال، وإصراراً عليه.

يعتمد حدث دخول الشباب إلى الأراضي السورية المحتلة باتجاه فلسطين على فكرة بسيطة، ربما كانت تتواءم مع معطيات عصرنا الراهن وأساليب النضال الجديدة فيه، وهي مواجهة العنف والقمع والهمجية بالعمل السلمي والصدور العارية والاعتداد بالحق وهذه قد تعوض فشل المواجهات العسكرية التقليدية والصراعات السياسية في استرجاع الحقوق.

. وعليه فإن رد الفعل الإسرائيلي العنيف الذي تسبب بهذه المجزرة لم يكن رداً على محاولة الدخول إلى أراضي الجولان فقط، فذلك أمر كان بالإمكان أن يواجهه الجيش الإسرائيلي بطرق مواجهة أخرى أقل شدة وهمجية، واستخدام وسائل قمع وردع أقل عنفاً من استخدام الرصاص الحي، . 

وإنما هو رد مسبق وتحذيري على ما يمكن أن يحصل في المستقبل، أي على إمكانية تطوير أساليب محاولة العودة إلى مظاهرات سلمية واقتحام (الحدود) بعشرات آلاف العائدين، وهو أسلوب لم يستخدم سابقاً، وإذا نجح مرة واحدة فسوف يتنامى عدد المحتجين من ألف إلى ألوف بل إلى عشرات الألوف، بما لا يمكن معه لا ردعه بمجزرة جديدة ولا بأية وسيلة تقليدية.

وسوف يشكل خطراً غير مسبوق على السياسة الإسرائيلية، وعلى الكيان الإسرائيلي نفسه، ويجبر العالم على شجب الاحتلال والصلف الإسرائيلي، وعلى الاعتراف مجدداً بحق العودة، ويقود إسرائيل إلى الكارثة، كما قال بنيامين أليعازر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق.

كاتب سوري