في أحد الكتب التي تحلل التكاليف الاجتماعية والنفسية للتنمية الاقتصادية، صادفت التشبيه الطريف التالي: «كثير من مشروعات التنمية الاقتصادية يشبه حال الزوجة التي هي أفضل من يخفف عنك أعباء الحياة التي ما كنت ستصادفها لولا الزواج نفسه»! هذا التشبيه ينطوي بالطبع على مبالغة شديدة، كما أن من الممكن أن تستخدمه الزوجة ضد الزوج، مع المبالغة أيضا، ولكنه يتضمن بلا شك حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن التنمية الاقتصادية كثيرا ما تخلق مشكلات لم تكن موجودة قبلها، كتضخم حجم المدن مثلا، أو زيادة التلوث.. الخ، مما يجعل من الضروري، للتغلب عليها، الإنفاق على مشروعات أخرى (تحسب بدورها ضمن مشروعات التنمية الاقتصادية)، لا هدف لها إلا علاج المشكلات التي نتجت عن التنمية الاقتصادية نفسها.

منذ بضع سنوات خطر لحفيدتي، التي كانت في التاسعة من عمرها، أن من بواعث السرور أن يكون لها كلب صغير، وأخذت تلح بذلك على أمها حتى استجابت لطلبها، رغم أنها تعرف جيدا، من تجارب صديقات لها، أن الأمر محفوف بالمشاق والمضايقات، وأن الحياة مع وجود كلب صغير في البيت، يجب إطعامه وتنظيفه وتدريبه على السلوك القويم، يمكن أن تكون مرهقة للغاية. لم تستطع الأم مقاومة إلحاح ابنتها، فقامت بشراء الكلب الصغير. ولكنها بمجرد اقتنائه، اكتشفت سلسلة لا نهائية من النفقات الضرورية لتجعل مجرد الاحتفاظ بالكلب ممكنا. لقد قامت بشراء الكلب أثناء وجودها خارج مصر، وفي دولة تشترط من أجل السماح بخروج الكلب من أرضها، الحصول على شهادة من طبيب بيطري، ثم تشترط لمجرد السماح بأن يركب الكلب الطائرة، أن يوضع في قفص له مواصفات معينة.. الخ. ولكن كل هذا لم يكن إلا مجرد البداية لمتاعب ومشكلات لا يمكن أن أرويها كلها للقارئ، مما يجعل الوصول إلى قرار نهائي بما إذا كانت رفاهية البنت التي اشتري من أجلها الكلب، أو رفاهية الأسرة كلها، قد زادت أو نقصت بسبب اقتناء الكلب، أمراً صعبا للغاية، مع ملاحظة أن كل ما سببه اقتناء الكلب من نفقات (من بداية واقعة شرائه ابتداء، إلى نفقات نقله من دولة لأخرى، إلى نفقات الأطباء والطعام والصيانة.. الخ)، يحسب كبنود في الناتج القومي الإجمالي ويساهم في رفع معدل التنمية!

وكنت قبل واقعة شراء الكلب هذه، قد قرأت فصلا في كتاب لاقتصادي أميركي كبير (لديه بدوره شكوك حول الأفكار الشائعة عن التنمية الاقتصادية)، يتساءل فيه عن السبب في أنه رغم أن متوسط الدخل في الولايات المتحدة قد زاد في الفترة (1945 1970) بأكثر من 60%، فإن إجابات عينة عشوائية من الأميركيين على أسئلة تتعلق بمدى شعورهم بالرفاهية، دلّت على أن مدى رضا الأميركيين عن أحوالهم لا يبدو أنه تغير تغيرا يذكر خلال هذه الفترة. وقدم الأستاذ الأميركي بضعة تفسيرات لهذا اللغز، من بينها ما يتعلق بما نتكلم عنه هنا، وهو أن كثيرا من السلع والخدمات الجديدة التي يستهلكها أي شعب، لا تضيف إلى الرفاهية بقدر ما تعتبر ضرورية للاستمتاع بسلع وخدمات سابقة.

في جلسة مع بعض الأصدقاء، أثير موضوع تدهور حالة المرور في القاهرة، وكيف أن الانتقال من مكان لآخر، الذي لم يكن يستغرق أكثر من ربع ساعة مثلا، منذ سنوات قليلة، أصبح يستغرق الآن ساعة أو أكثر.

وتعددت التفسيرات، من زيادة عدد السيارات، إلى ضيق الطرق، إلى سوء التنظيم.. الخ. وتساءلنا عن السبب في أن شق طرق جديدة، وبناء الكباري العلوية، وحفر الأنفاق السفلية، لا يبدو أنه قد حل المشكلة. كان من بيننا أستاذ متخصص في إدارة النقل، وهي علم كسائر العلوم، فلفت نظرنا إلى أنك لا تحل مشكلة المرور ببناء الكباري العلوية والأنفاق، لسبب بسيط وهو أن هذه الكباري والأنفاق، بقدر ما تقدم وسائل جديدة لإشباع حاجات قديمة، تضيف أيضا حاجات جديدة تتطلب وسائل إضافية، أو بعبارة أخرى، إنها بقدر ما تزيد المعروض لمواجهة زيادة الطلب، تزيد أيضا الطلب الذي يبحث عن مزيد من المعروض، أي أنها تجلب هي نفسها مزيدا من السيارات التي تحتاج إلى المزيد من الطرق.

وأضاف الأستاذ أن الأمر لا يستغرق أكثر من خمس سنوات، بعد بناء الكباري العلوية وحفر الأنفاق، لكي تعود المشكلة إلى ما كانت عليه بالضبط. والحل في رأيه لا يكون إلا بالتوسع في وسائل المواصلات العامة، التي تسمح لثلاثين أو أربعين شخصا بالمرور في نفس المساحة التي كان يحتلها شخص واحد بسيارته الخاصة (نلاحظ بهذه المناسبة أيضا أن ملايين الجنيهات التي تنفق على بناء الكباري والأنفاق تحسب كزيادة في الناتج القومي، بينما مساهمتها في زيادة الرفاهية قد تصبح صفرا بعد نحو خمس سنوات).

المبدأ العام الذي يحكم كل الأمثلة التي ذكرتها، يمكن تلخيصه في ما يلي: الرفاهية الإنسانية (أو حتى ما يسمى بالرفاهية الاقتصادية، أي الرفاهية المستمدة من السلع والخدمات) لا يجب أن تقاس بحجم السلع والخدمات مقسوما على حجم الطلب عليها. أي أن المقياس الأفضل للرفاهية الاقتصادية هو قيمة الكسر الآتي: حجم السلع والخدمات/ حجم الطلب على السلع والخدمات. فمهما زادت قيمة البسط، لا تزيد الرفاهية إذا زادت قيمة المقام بدرجة أكبر. لا بد أن شيئا كهذا كان هو ما يعنيه أفلاطون، عندما قال إن الإنسان الغني ليس هو من زاد ماله، بل من قلّت حاجاته. وتطبيق هذا على مجتمعنا الحديث، يكون بلفت النظر إلى أنه لا زيادة في الرفاهية إذا كانت طلباتنا تزيد بنسبة أكبر من زيادة المتاح من السلع والخدمات.

خطر لي أن شيئا كهذا ينطبق على درجة الرفاهية التي نظن أنها تحققت لنا باختراع التليفون المحمول أو البريد الالكتروني، اللذين يعتبران مثالين مهمين لما حدث من ثورة الاتصالات والمعلومات. نعم، كلاهما جعل الاتصال بين الناس أسهل وأسرع، مما جعل من الممكن تحقيق أغراض لم يكن يمكن تحقيقها من قبل، أو على الأقل لم يكن من الممكن تحقيقها بنفس السرعة. ولكن كم خلق كل من البريد الإلكتروني والتليفون المحمول من حالات اتصال بين الناس، كان من الأفضل تجنبها أصلا أو الاستغناء عنها؟ كما أدى كل من هذين الاختراعين، لمجرد أن الاتصال قد أصبح أسهل، إلى انشغال الناس بأمور تافهة، وتضييع وقتهم في الرد على رسائل الكترونية كان من الأفضل عدم إرسالها وتلقيها أصلا، أو إلى استخدام التليفون المحمول في حديث كان السكوت أفضل منه. هنا أيضا أدت زيادة الفرص المتاحة إلى زيادة الطلب عليها، فإذا بالنتيجة النهائية من حيث زيادة الرفاهية، صفرا أو ما يقرب من الصفر.

تساءلت عندما خطرت لي هذا الخواطر عما إذا كان هذا يلقي بضوء مهم على حقيقة الحضارة الحديثة؟ إن جزءا كبيرا (وأكبر مما نتصور) من إنجازات الحضارة الحديثة، هو خلق حاجات لم تكن موجودة، وليس مجرد إشباع حاجات قديمة، ومن ثم يؤدي تقدم الحضارة إلى طلب ما لم يكن مطلوبا، أي إلى «لزوم ما لا يلزم»، بينما الزيادة الحقيقية في الرفاهية هي إشباع حاجات الإنسان الأساسية، بدرجة أكبر وطريقة أكفأ. هذا هو المعيار الحقيقي للتقدم، كما يجب أن يكون هو المقياس الحقيقي «للتنمية الاقتصادية»، وليس معدل نمو الناتج القومي أو زيادة متوسط الدخل. إن الحاجات الأساسية للإنسان ـ لحسن الحظ ـ محدودة بطبيعتها، ولكنها هي بالضبط التي نستمر للأسف في تجاهل إشباعها، ونستغرق بدلا من ذلك في إشباع طلبات غير ضرورية، ونستمر في إيهام أنفسنا «بلزوم ما لا يلزم».