بدت احتفالات ذكرى نكسة العام 1967 مختلفة هذا العام، في بعض مظاهرها، عما جرت عليه في السنوات الماضية. فقد كانت النكسة بمثابة هزيمة عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية، ما زالت آثارها السلبية واضحة على المستويين العربي العام، والفلسطيني الخاص.

لكن الانتفاضات الشبابية العربية التي تجتاح العالم العربي منذ مطلع العام 2011، تعاطت مع هذا الحدث التاريخي بكثير من الصلابة حيثما استطاعت التعبير عن نفسها بحرية، علما أن إرادة غالبية الدول العربية مكبلة بالقرار الأميركي من جهة، وتعيش تحت وطأة الانتفاضات الشعبية من جهة أخرى. فقد أسقطت أنظمة عربية ويتم التحضير لإسقاط أخرى، دون أن تمتلك القوى المنتفضة مشروعا موحدا للتغيير الشمولي العربي، وفق استراتيجية نهضوية تغلب العداء لإسرائيل على النزاعات بين القوى المتناحرة على السلطة في الدول المنتفضة.

عاشت الساحة العربية في الخامس من يونيو/ حزيران 2011، مرحلة استرخاء تقليدي في بعض الدول العربية التي لم تقم شعوبها بحركات احتجاج من أي نوع، في حين تفاوتت حدة الاحتجاجات داخل الأراضي المحتلة وفي الدول العربية المجاورة، وفق قرارات مركزية كانت تحرض على التظاهر وأخرى تمنعه خوفا من أن تنفذ إسرائيل التهديدات التي أطلقتها بأن تحتل مناطق الاحتجاج على حدودها. فكانت المحصلة شبه النهائية لهذا الحدث التاريخي داخل فلسطين المحتلة وفي جوارها، على الشكل التالي:

أ ـ قرر مئات الشباب الفلسطيني والسوري إحياء ذكرى النكسة، بالزحف إلى حدود بعض المناطق التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967. وكان القرار الإسرائيلي واضحا بالتصدي الدموي للمتظاهرين سلميا، فسقط ثلاثة وعشرون شهيدا وأكثر من أربعمائة وخمسين جريحا، ومنهم من رفع الرقم إلى الستمائة جريح بعضهم جروحهم خطرة. وكما كان متوقعا، لم تسارع الإدارة الأميركية إلى دعم الشباب السوري والفلسطيني المنتفض سلميا ضد إسرائيل، بل باركت تدابيرها القمعية واعتبرت أن من حقها الدفاع عن نفسها بالرصاص الحي، ضد المنتفضين والمطالبين بحقوقهم العادلة والمشروعة بالطرق السلمية.

ب ـ لم يتمكن فلسطينيو لبنان من المشاركة في مسيرة التظاهر عند الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، خشية تكرار المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل ضدهم قبل أسابيع قليلة في ذكرى النكبة، حيث سقط أكثر من عشرين شهيدا ومائتي جريح. وبعد أن منعت السلطات اللبنانية الشباب الفلسطيني من التوجه نحو الشريط الحدودي، اكتفوا بإحياء ذكرى النكسة داخل مخيماتهم. وأعلنت فصائل المقاومة الفلسطينية السادس من حزيران 2011، يوم حداد عام في المخيمات الفلسطينية في لبنان، استنكارا لجريمة إسرائيل ضد الشباب الفلسطيني والسوري الأعزل عند خط وقف إطلاق النار في الجولان السوري المحتل، بعد أن عمل على قطع الأسلاك الشائكة لتجاوز حقول الألغام في تلك المنطقة.

ج ـ حاول فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزه تنظيم مسيرات احتجاج سلمية في اتجاه المواقع الإسرائيلية، فرد لإسرائيليون على المظاهرات السلمية بإطلاق النار، مما أدى إلى سقوط عدد من الجرحى بين المتظاهرين عند اقترابهم من حواجز الاحتلال في الضفة الغربية.

هكذا اصطبغت ذكرى النكسة العربية هذا العام بلون الدم، الذي رافق الانتفاضات الشبابية العربية التي تشير إلى مرحلة جديدة من تاريخ العرب المعاصر، تحمل في طياتها آفاقا تحررية لم تتضح معالمها بعد، لكنها تختلف نوعيا عما كانت عليه في المرحلة السابقة.

1- ففي العام 1967 مني العرب بهزيمة عسكرية كبيرة أمام الجيش الإسرائيلي، ساعدته على احتلال الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني، وقطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري. واحتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء المصرية، وهضبة الجولان السورية. فانقلب ميزان القوى العسكري لصالح إسرائيل، بدعم أميركي وأوروبي مباشر. وبدأت إسرائيل عملا مبرمجا لتحقيق الحلم التوراتي بإقامة إسرائيل الكبرى بين الفرات والنيل، وفق مشاريع استيطانية واضحة من جهة، وفي إطار مشروع أميركي ـ إسرائيلي عرف باسم الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، من جهة أخرى.

2- لم تقف النكسة عند حدود الهزيمة العسكرية، بل تعدتها إلى الهزيمة السياسية والنفسية. فغابت الشعارات العربية بتحرير كامل التراب الفلسطيني، من النهر إلى البحر. وتبنت مصر اتفاقيات كامب دافيد التي كبلت الإرادة المصرية، وأعقبتها اتفاقيات أوسلو ومدريد التي كبلت الإرادة الفلسطينية. وتم تغييب استراتيجية الكفاح المسلح، لصالح مفاوضات سلام وفق استراتيجية إسرائيلية تعني الاستسلام العربي التام، والقبول بدولة يهود العالم، وتهويد مدينة القدس، وبناء مستوطنات صهيونية على جميع أراضي فلسطين، ورفض كامل للحقوق المشروعة التي أقرتها القوانين الدولية للشعب الفلسطيني، خاصة العودة إلى حدود 1967.

3- مع ذلك، حلت الذكرى الرابعة والأربعون للنكسة، وسط تبدلات ملحوظة على الساحة العربية. وهي تواجه وقائع ملموسة على أرض الواقع، تؤكد على أن رسوخ الظاهرة الإسرائيلية طوال الأعوام الماضية، أدى إلى تفكك العالم العربي بصورة واضحة، وتجزئة التجزئة، وانتشار الفساد والإفساد على نطاق واسع في جميع الدول العربية، وزيادة حدة الاستبداد، والبطالة، والفقر، والتخلف، وهجرة الأدمغة العربية، وعودة الاستعمار الجديد بصورة المنقذ لبعض الشعوب العربية من الحكم الفردي لزعمائها، وسيطرة الحزب الواحد، وتفشي النزاعات العرقية والقبلية والطائفية والمذهبية وغيرها.

إن ما تشهده الساحة العربية هذا العام يطرح تساؤلات مشروعة، حول مستقبل الانتفاضات الشبابية العربية في المرحلة الراهنة. فعليها أن تتحمل عبء النضال المباشر ضد الاستيطان الصهيوني في فلسطين من جهة، والتصدي لمحاولة الأميركيين مصادرة الإرادة العربية ومنع الشباب العربي من توجيه المعركة ضد التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي من جهة أخرى. ونتيجة التحالف الموضوعي بين قادة عرب رفعوا شعارا سياسيا بالغ الخطورة مفاده أن 99% من أوراق الحل السلمي لأزمة الشرق الأوسط هي في يد الأميركيين، قاد ذلك التحالف إلى هزيمة العرب في العام 1967. فنسفت ركائز مشروع العرب النهضوي، وهيمن الأميركيون على مواردهم الاقتصادية، وتعطلت طاقاتهم الثقافية والإبداعية.

لكن الفرصة متاحة اليوم أمام قادة الانتفاضات العربية، للاستفادة من مواقف دول كبرى ذات مصلحة في تحرير الشعوب العربية ومواردها الطبيعية من الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية. وذلك يتطلب أن يكون للعرب مشروعهم النهضوي الخاص، وإطلاق مبادرات شبابية عربية ترسم مسارا جديدا لتاريخ العرب المعاصر، على خلفية الشعارات التحررية التي ترفعها تلك الانتفاضات، وفي طليعتها تحرير الإرادة العربية من التبعية إلى الخارج.