تغفل وسائل الإعلام العربية والعالمية، ثورة التغيير المستعرة في العراق. العراق أصلاً بلد ثورات وحركات تمرد، تعبر عن شعب ذي طبيعة ثورية فريدة من نوعها. مضى زهاء ثماني سنوات على تغيير نظام الحكم في العراق. ظن المراقبون للشأن العراقي، أن الأمور في طريقها إلى التهدئة والاستقرار، إلا أن الوقائع والدلائل تشير إلى وضع متصاعد متفجر، من الصعب على المراقب التكهن بمساره.

زرع الاحتلال الأميركي للعراق بذور الرفض للواقع الجديد، في كل اتجاه سار فيه. سياسياً أسس لنظام محاصصة طائفية. نظام سياسي اجتماعي إداري متخلف، من شأنه زعزعة الاستقرار الاجتماعي للمنطقة، وبشكل مزمن. أمنياً وعسكرياً، أذاق الاحتلال العراقيين طعم الذل والخراب والدمار، بالاستخدام المفرط للقوة والعنف والسلاح، لحل المشاكل الأمنية. الشارع العراقي يعاني من الارتفاع المتزايد في منسوب الدم المُسال. السجون العراقية، تحت الاحتلال المباشر وغير المباشر، تعج بالمعتقلين دون تُهم محددة. هؤلاء يجهل ذووهم أي شيء عن أحوالهم ومصائرهم، في ظروف مثيرة للقلق والخوف المستمرّيْن. اقتصادياً ومالياً وخدمياً، يعاني العراقيون وضعاً شبيهاً بالعصور الحجرية، إلى حد ملحوظ.

لا يجد المواطن العراقي الحالي سبيلاً غير الثورة للتحرر من وضعه البائس اليائس، ومنذ بدايات الاحتلال. ما يجعل بعض العراقيين لا يشاركون في الثورة، هو الاستماع لإرشادات وتحذيرات قادتهم من احتمال عودة الدكتاتورية، إذا ما هبوا جميعاً لمقاومة الاحتلال. قد يكونون على حق في ذلك! المجتمع العراقي لم يتقبل الديمقراطية المحمولة براً وجواً مع الاحتلال. ثبت لهم أن الديمقراطية هذه، ليست أكثر من غطاء إعلامي دعائي مُغر لغزو عسكري سياسي ثقافي؛ غزو لا يقبل الآخرين إلا عبيداً تابعين له.

العوامل لبدء وتأجيج الثورة العراقية متوفرة، وبشكل دائم. الحكومة في وضع لا تُحسد عليه؛ لم تزل غير مكتملة التوزيع، حتى بعد مرور أكثر من عام على الانتخابات النيابية. البرلمان العراقي، ثاني ركائز الحكم الجديد، يواجه فشلاً شبه كامل في أعماله. المؤسسات الحكومية الأخرى تواجه وضعاً مشابهاً؛ بالذات الفساد ينخر في عضد كل منها. الجهاز الأمني بما فيه من شرطة وجيش واستخبارات، لم يزل في طور لا يؤهله للسيطرة على الأوضاع وتوجيه الدولة نحو الأمان والاستقرار.

من الطبيعي أن تبدأ حركة التغيير من المناطق الشمالية والوسطى؛ ما عُرف في الإعلام الغربي المحموم، بـ«المثلث السني» المتمرد على الوضع الجديد. على أهل هذه المناطق وقع ثقل وضغط وحرمان «مميَّز»، ناجم عن الاحتلال. ثمة كل طبقات وشرائح الشعب العراقي تعاني؛ منها ما يعاني بنفس الدرجة وربما بشكل أعظم. لكن هؤلاء لا يجرؤون على إعلان ذلك، لأن قياداتهم «رحبت» بالاحتلال كمنقذ لهم. إذا ما زال ذلك الفكر والوهم من خيال هذه الشرائح، سوف تكون ثورتهم في اتجاه التغيير أكثر شمولية وقوة ضد المحتل، والمؤسسات المرتكزة عليه.

حالياً، تشكل حركات الاعتصام في المدن العراقية المختلفة، نواة لحركة التغيير. هذه بدأت بشكل عفوي، رغم الإجراءات الأمنية وحملات التحريض والتشكيك والتشويه ضدها. بالذات تُتهم بأنها من بقايا وأنصار النظام السابق، وحركات المقاومة ضد «العهد العراقي الجديد». لكنها تكسب زخماً إضافياً يوماً بعد يوم، مستفيدة من الإخفاقات الرسمية المتفاقمة، والإحباط الشعبي المتزايد. إحباط قادم من تدني مستوى الخدمات الأساسية إلى درجة تقترب من العدم، ومن قضايا عالقة شائكة، مثل قضية المعتقلين وضحايا انتهاك حقوق الإنسان.

لم يتعلم الحكام بعد الاحتلال، من اتهاماتهم السابقة للنظام السابق، بالدكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان. بزّوا النظام السابق؛ لا بل فاقت أخطاؤهم حدود الوصف والخيال. لم يُبقوا لأي عراقي، مهما يكن موقعه أو منصبه أو فكره، من خيار إلا أن ينضم إلى حركة التغيير. حركة بدأت ببضع مئات، تقود الآن أطيافاً واسعة من الجماهير. تكتسب شعبية متزايدة في مختلف المدن العراقية، من زاخو وأربيل في الشمال إلى البصرة والفاو في الجنوب.

الاحتلال الأميركي ذو الذراع القوية الأطول، بات عاجزا عن إحكام قبضته على الأوضاع. ذلك ما يمهد الطريق أمام كرة التغيير لتتدحرج ملتهبة، وتأخذ في طريقها ما طرأ على الأرض العراقية من أوضاع لم تتقبلها عامة الشعب العراقي.