أتابع الحوارات التي تجريها القنوات الفضائية، والتي يكون فيها الشباب طرفاً والكهول طرفاً ثانياً، خاصة تلك التي تجريها القنوات الفضائية المصرية، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، التي لم تقلب الموازين فقط، وإنما قلبت الطاولة على الكثير من الأفكار والحكم التي تعلمناها وحفظناها منذ نعومة أظفارنا، بعد أن تلقيناها على شكل جرعات مكثفة عبر مناهجنا الدراسية، من الابتدائية وحتى الجامعة، وأصبحت جزءًا من منظومة النظريات التي لا تقبل الشك، أو حتى مجرد طرحها للنقاش لمعرفة مدى صوابها من خطئها.
من الموضوعات التي أشبعنا مدرسونا حديثاً عنها منذ نعومة أظفارنا وحتى هرمنا، موضوع «حكمة الكهول ونزق الشباب»، حتى غدونا نحسب كل شاب نزقاً وكل كهل حكيماً، إلى أن جاء «ربيع الثورات العربية» ليجعلنا نعيد النظر في هذه النظرية من جذورها.
في الحوارات التي استمعنا إليها عبر الفضائيات منذ تفتح زهور هذا الربيع الذي جاءنا على حين غرة، بعد أن ضرب الخريف أطنابه علينا قرونا حتى ألغينا نظرية الفصول وتواليها، أدهشتنا حكمة الشباب التي لم نتوقعها، بالقدر نفسه الذي أحبطنا نزق وتهور وطيش الكثيرين من الكهول الذين طالما اعتبرناهم عقلاء الأمة الذين يفيضون حكمة وعلماً.
لم يفاجئنا الشباب بقدرتهم على تنظيم أنفسهم والتحرك بخطوات محسوبة فقط، وإنما فاجؤونا أيضا بمقدار الحكمة الذي تحلوا به وهم يديرون معركتهم مع عتاة حكماء الأمة الذين انكشفوا أمام الجميع، وتبين أنهم لم يملكوا من الحكمة سوى الحد الأدنى الذي أتاح لهم تأخير سقوطهم، وليس الحيلولة دونه.
حدث هذا على مستوى الحوار بين الأنظمة التي سقطت وبين شعوبها، وما زال يحدث حتى الآن بين الأنظمة التي شاخت وما زالت تقاوم رغم اهتزاز عروشها، وبين الشعوب التي ما زالت تتحلى بالحكمة رغم عنفوانها، ورغم العنف الذي تمارسه هذه الأنظمة معها.
. فقد عايشنا الرعونة في التعامل مع أفكار الشباب، التي كانت تسبق بمراحل تفكير أولئك الذين خانتهم حكمتهم بعد أن شاخوا حتى وجدوا أنفسهم في السجون، يخضعون لمحاكمة الشعوب لهم على ما اقترفوه من آثام في حق أوطانهم.
ومثلما حدث هذا على مستوى الحوار بين أولئك الذين شاخوا في تلك الأنظمة، وشباب الشعوب التي ثارت عليهم، حدث هذا أيضا على مستوى الحوار داخل التنظيمات الدينية والأحزاب السياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وظهرت هذه الفجوة الواسعة بين أفكار شباب هذه التنظيمات والأحزاب وكهولها الذين تربعوا على كراسي القيادة فيها عقودا، تغير خلالها الزمن وتبدل وجه الحياة، .
بينما بقوا هم متمسكين بأفكارهم، متعلقين بأستار الحكمة التي يعتقدون بأنهم قد اكتسبوها على مدى السنوات التي أمضوها في تلك التنظيمات والأحزاب، التي شاخت هي الأخرى ولم يعد أداؤها يناسب إيقاع العصر الذي تفرض هيمنتها فيه، وتسيطر على مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية بفكرها الذي أصبح قديما، وحكمتها التي لم تعد تتسق مع هذا العصر وأفكار شبابه.
في حوار جرى على إحدى الفضائيات المصرية الخاصة، أدهشتني الأفكار التي طرحها المدون المصري الشاب إبراهيم الهضيبي العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمين، .
وهو حفيد المستشار مأمون الهضيبي المرشد السادس للجماعة، الذي هو نجل المستشار حسن الهضيبي الذي تولى إرشاد الجماعة بعد اغتيال مؤسسها الشيخ حسن البنا عام 1949م، أي أنه حفيد اثنين من مرشدي جماعة الإخوان السابقين، وهو شاب في العشرينات من العمر، له مدونة خاصة، ويكتب في عدد من الصحف المصرية الورقية والإلكترونية.
. ما أدهشني في حوار المدون الشاب إبراهيم الهضيبي، مع الدكتور محمد مرسي عضو مكتب الإرشاد في الجماعة ورئيس حزب الحرية والعدالة (تحت التأسيس)، هو وضوح أفكاره، ومقدرته على طرحها، وقوة حجته أمام دفاع الدكتور مرسي عن علاقة الجماعة بالحزب، من حيث الارتباط والانفصال، في ظل تصريحات المرشد العام الدكتور محمد بديع عن عدم أحقية أفراد الجماعة في الانضمام إلى حزب غير حزب الحرية والعدالة،.
في الوقت الذي تقوم فيه فكرة إنشاء الحزب على أنه يمارس السياسة، والجماعة لا تمارس السياسة، الأمر الذي يحتاج إلى وجهة نظر مقنعة في الفصل بين الحزب والجماعة. وفي حوار آخر على القناة نفسها بين مجموعة من شباب ائتلاف 25 يناير، الذين كان يستضيفهم مقدم البرنامج في الاستوديو، .
ولواء سابق في الجيش عرفناه مديرا سابقا لمركز الأبحاث الاستراتيجية للقوات المسلحة ومحللا عسكريا في بعض القنوات الفضائية، في هذا الحوار ارتفع صوت اللواء السابق وبدت عصبيته واضحة أمام هدوء شباب الائتلاف وقوة منطقهم.
لا يخفى على من يتابع ما يحدث في مصر الآن من حوار بين شباب الجماعات والأحزاب وقياداتها القديمة، أن هناك شدا وجذبا بين حكمة الشباب، وتعصب الشيوخ لأفكارهم القديمة، وعصبيتهم في الدفاع عنها، الأمر الذي يغير الصورة، ويدخلنا عصرا جديدا مختلفا، ربما يضطرنا إلى إعادة النظر في النظريات القديمة التي تعلمناها على أيدي مدرسينا الأفاضل.
ليس هذا تقليلا من الشيوخ، أو تعريضا بهم، قدر ما هو دعوة إلى تصحيح الصورة، وعدم الاستهانة بالشباب الذين يبدو أنهم يعملون على إحداث التغيير الذي انتظرناه طويلا، بكفاءة واقتدار يحسدهم عليه أولئك الذين شاخوا دون أن يستطيعوا فعل شيء، رغم كل ما يحملونه على كواهلهم من تجربة وحكمة يبدو أنها غادرت الكثيرين منهم، في زمن التحولات الكبرى والأحداث الجسام، حيث تتجلى حكمة الشباب ويظهر نزق الكهول.