من يرعى الشؤون الداخلية لأميركا؟ على امتداد الكابيتول هيل، يناقش الجمهوريون والديمقراطيون بشكل محموم كيفية خفض العجز في الميزانية الأميركية على المدى الطويل. ولكن إذا كنتم لا تعبأون بتساؤلي فماذا بشأن الاقتصاد؟ إنني لا أتحدث عن الاقتصاد خلال خمس أو عشر سنوات من الآن، عندما تظهر توقعات الميزانية الاتحادية أنها خارج نطاق السيطرة على نحو كبير، أو عندما يبدأ الأجانب التخلي عن الدولار. فأنا أتحدث عن الاقتصاد الحالي، وهو الاقتصاد الذي يعيشه الأميركيون يوما بعد آخر.
لقد بلغ معدل البطالة القومي 9%. أما نسبة من هم في سن العمل من الأميركيين الذين يعملون فعلياً فهي 64.2%. وهناك أكثر من 13.5 مليون شخص ما زالوا عاطلين عن العمل.
مرحبا واشنطن؟
حتى بالنسبة للأميركيين الذي لديهم وظائف، فالأجور لا تحرز أي تقدم. فالجزء الكبير من الوظائف الجديدة يقع في قطاعات البيع بالتجزئة والفنادق وفي خدمات المستشفيات، ولا تقدم أي من هذه القطاعات رواتب جيدة. وتوظف شركة ماكدونالدز الكثيرين حالياً.
في الوقت نفسه، شهد الاقتصاد الأميركي خلال الربع الأول من هذا العام تباطؤاً شديداً، بمعدل نمو سنوي ضئيل قدره 1.8%، منخفضاً من أكثر من 3% في الخريف الماضي.
واشنطن، أين أنت؟
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أسعار المنازل التي تواصل الهبوط. فهي تنخفض بمعدل الثلث عما كانت عليه في عام 2006. ويتوقع «روبرت شيلر»، الاستاذ في جامعة «يال» الذي يعطينا مؤشره صورة أكثر وضوحاً حول سوق الإسكان، بأن أسعار المساكن سوف تنخفض بمعدل 15% إلى 25% أخرى.
معظم الأميركيين ليست لديهم مدخرات في محافظ الأوراق المالية. مدخراتهم عبارة عن منازلهم. ولكن مع تقلص قيمة هذه المدخرات إلى مستويات ضئيلة، فإن ثروة معظم الأميركيين آخذة في التلاشي. وهذا يعني أن معظم الأميركيين عليهم تحقيق توفير قياسي لو أنهم كانوا بسبيلهم إلى التمكن من التقاعد، أو حتى إرسال أولادهم إلى الجامعة. ونتيجة لذلك، فإن الإنفاق الاستهلاكي سوف يبقى ضعيفاً ، وسوف تظل نسبة البطالة مرتفعة، ما لم تسد واشنطن هذه الفجوة.
ولكن ماذا الذي تفعله واشنطن؟ إنها تتشاجر حول مدى التخفيض في الانفاق العام خلال السنوات الــ10 أو الــ12 سنة المقبلة. وهذا نقاش مهم، لكنه لا يمت بصلة للاقتصاد الحالي. إننا بحاجة في الوقت الحالي إلى مزيد من الإنفاق العام من أجل إعادة الناس إلى العمل. ونحن بحاجة إلى إدارة جديدة لتقدم الأعمال لإعادة العاطلين عن العمل على المدى الطويل إلى العمل.
تتعارك واشنطن حول مدى التخفيض في شبكات السلامة مثل الرعاية الطبية والضمان الاجتماعي للمعاقين في السنوات المقبلة. ولكننا بحاجة في الوقت الراهن إلى شبكات سلامة أقوى لمساعدة من فقدوا وظائفهم أو من لا يمكنهم إيجاد وظائف جديدة.
وتقاتل واشنطن حول مدى الضرائب التي يتعين على الأغنياء أن يدفعوها خلال سنوات من الآن. ولكن في الوقت الحالي، ينبغي التركيز على خفض الضرائب على العمال العاديين، خاصة الضرائب المفروضة على الرواتب. فسوف يؤدي خفض الضرائب على الرواتب إلى تدفق المزيد من المال إلى جيوبهم على الفور. فلماذا لا يتم إعفاء شريحة الــ20 ألف دولار الأولى من الدخل من الضرائب على الرواتب، وتعويض هذا الفارق عن طريق رفع الحد الأقصى للدخل الخاضع للضريبة حالياً؟
وفي ظل ازدهار «وول ستريت» مرة أخرى، فقد توقف النقاش في واشنطن بشأن فوضى الرهن العقاري. لكن لابد وأن ذلك يتطلب قيام بنوك وول ستريت نفسها، تلك البنوك التي ننقذها نحن دافعو الضرائب، بإعادة التفاوض على القروض العقارية في الوقت الحالي حتى يمكن للأميركيين الاحتفاظ بمنازلهم.
لماذا تتعارك واشنطن بشأن الميزانية الفيدرالية على المدى الطويل، وتتجاهل الاقتصاد الحالي؟
السبب هو أن البيت الأبيض والعديد من الديمقراطيين في الكونغرس لا يجرؤون على الاعتراف بمدى التدهور الذي يستمر فيه الاقتصاد الأميركي بالنسبة للكثير من الناس. فهم يترقبون على أمل أن يبدأ التعافي في العام المقبل قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية. ولا يريد الجمهوريون، في الوقت نفسه، أن يعترفوا بمدى سوء الاقتصاد. فمن شأن ذلك أن يبطئ دفعهم من أجل خفض الإنفاق العام وتقسيم شبكات السلامة. ولا يريد مؤيدوهم في «وول ستريت» تعديل الرهون العقارية. بل إن الجمهوريين يريدون أن يصدق الأميركيون كذبتهم الكبيرة بأن السيطرة على العجز من شأنه توفير فرص عمل وتعافي الاقتصاد. يخبرني بعض الديمقراطيين أنهم يرغبون في اتخاذ إجراء بشأن اقتصاد اليوم، لكنهم لا يملكون الأصوات في هذا الصدد.
ويقولون إن الجمهوريين يعرقلون هذا السبيل. لكن لماذا على الأقل يشنون حرباً إزاء هذا الموضوع؟ ويعد العجز في الميزانية على المدى الطويل فكرة مجردة بالنسبة لمعظم الناس. انهم يكافحون في معيشتهم الحالية. ومن المفارقات أن تجاهل واشنطن لما يحدث الآن يفاقم مشكلة الميزانية طويلة الأمد. المشكلة ليست في الديون طويلة الأجل في حد ذاتها. إنها تتعلق بمعدل هذه الديون المستقبلية إلى الحجم الذي سيصل إليه الاقتصاد في المستقبل. فلو أن الاقتصاد الحالي ينطلق أو يستمر في النمو بسرعة السلحفاة، فإن هذا المعدل سوف يصبح أكبر فأكبر.
بعبارة أخرى، فإن الاهتمام بالاقتصاد الحالي يعد أمراً جيداً للمستقبل.
لايزال معظم الأميركيين يعانون من الكساد. وتهتف الأرض كلها بواشنطن: استمعي إلى أميركا، فمعظم الأميركيين لا يزالون في مرحلة الركود، لقد انتخبناك من أجل التحرك الآن وهناك.