تعد تجربة دبي أنموذجا استثنائيا من حيث البناء والتطبيق والاستمرارية كأنموذج مالي واقتصادي وسياحي متفرد، فلا غرو أن يوصف بالمعجزة. كثيرون تحدثوا وكتبوا عن دبي، كثيرون حاولوا تقليد أنموذج دبي أو نقل تجربة دبي، وكثيرون يستفيدون بصورة أو بأخرى من تجارب دبي المتعددة، بل وكثيرون يحقدون على دبي لأنها تسرق الأضواء منهم ومن غيرهم، ولكن ما لا يفهمونه أن هناك شيئا ما في دبي لا يستطيعون تقليده أو نقله أو استنساخه : إنه روح دبي الإنسانية، زخمها وتفاؤلها وروحها المتجددة.
هذه الروح التي رافقتها منذ بداية تكوينها وامتدادها على خور دبي في القرون الماضية وحتى هذه اللحظة. فهذه المدينة «الأسطورية» يعشقها من زارها مرة أو من يزورها دوما، من قضى عمره فيها أو من سمع عنها، من يعيش ويعمل فيها أو ذاك الذي يستعد للانتقال والإقامة فيها. فهذه المدينة تبعث في النفس حالة من التفاؤل والأمل والزخم والنشاط يشعر به كل من على أرضها أو يزورها. هي تبعث في النفس حالة من التفاؤل الدائم بغد أكثر إشراقا وأجمل من اليوم، هي تجدد في النفس الأمل والحبور بغد مختلف عن اليوم.
دبي مدينة تعبر عن حالة من التجــدد والتألــق على مــدار الســنة بل علــى مــدار الساعة، مدينــة لا تعرف الكلل أو الملل، مدينة تقوم على عنصر الإبهار والمفاجأة. فلا غرو أن توصف بأنها المدينة الحلم، مدينة الأضواء، المدينة الرومانسية التي تبعث في النفس حالة من التفاؤل والتجدد والشباب كما تعبر عنها الأدبيات الشعبية (دبي، تروح شايب ترجع صبى). من عاش فيها لا يستسيغ العيش في غيرها، ومن عرفها عن قرب لابد وأن يرتبط بها برباط قوي، ومن ســكنها سكنته.
ومــن تعود على أنظمتها وقوانينها لا يشعر بأنه في مدينة نظامية سواها أينما حل حول العالم. هذه المدينة الاستثنائية أو هذه الحالة العجيبة بين المدن تظل تبهر الناس ليس فقط لأنها مدينة تتجدد كل يوم وتتغير حسب تغير الأوضاع والأحوال، ولكن بارتباطها بحالة نفسية وإنسانية فريدة تشيع جوا من التفاؤل والسعادة والأمل في النفس البشرية. العالم يحتاج إلى مدن كدبي لأنها ظاهرة فريدة بين المدن. ففي وسط الهموم والكوارث تتجلى مبادرات هذه المدينة الصغيرة في مساحتها الكبيرة في مبادراتها لتبهر العالم ولتقدم أنموذج خاص عن المدن العالمية التي تعبر عن حالة من التواصل مع الآخر. مبادرات دبي كثيرة. فمن دبي للعطاء إلى نور دبي إلى مبادرات دبي الثقافية الرائدة لخدمة الثقافة العربية والشباب العربي كرست دبي سمعتها الاقتصادية وشهرتها العالمية لخدمة أغراض إنسانية كثيرة أهلتها لتتبوأ مكانة خاصة بين المدن العالمية، مكانة مبنية على سمعة إنسانية وحضارية رائدة.
ففي عام 2007 ووسط جو من التشاؤم والهموم الاقتصادية التي عانت منها الاقتصاديات العربية ووسط أرقام هائلة من البطالة الشبابية العربيــة ووســط إهمــال واضــح لدور الثقافــة فــي إعلاء الشأن العربي قدمت دبي مبادرتها للعالم العربي في صورة وقف يقــدر بـ 7 مليارات دولار لخدمــة الثقافة العربية والشباب العربي. جاءت مبادرة دبي تلك لتشيع جو من التفاؤل والأمــل الذي غمر نفوس الشباب بالتحديد بمستقبل أكثر ازدهارا، وبدور أكثر قوة لهم في المستقبل، خاصة بعد تدنت أحوالهم المعيشية وعمت صفوفهم البطالة وكاد الإهمال والتهميش أن يحول مستقبلهم إلى ظلام دامس. قد ظهر أخيرا من يهتم بهم ويزيح عن كاهلهم بعض الهموم ويعمل على الارتقاء بوضعهم بوصفهم لاعبا رئيسا في صناعة المستقبل. وكان رهان دبي في محله. وبينما كانت العديد من المدن العربية صامتة تجاه هذا الوضع، جاءت مبادرة دبي كصحوة حضارية أشاعت جوا من التفاؤل وسط الضباب العربي الكثيف.
في الأعوام التالية جاءت مبادرات دبي للعطاء ونور دبي لتشيع جوا إنسانيا رائعا من التعاطف والتكاتف مع الآخر ولتضع البسمة على شفاه من فقد الأمل في عيش أو رؤية لحظة أكثر إشراقا وأكثر بهاء، إنها دبي الإنسانية ودبي العطاء.
منتدى الإعلام العربي الذي أنهى أشغاله في دبي الأسبوع الماضي جاء ليكرس حالة التفاؤل والأمل الذي تبعثه دبي دوما في النفوس. فالتكريم لم يطل فقط الصحافيين الأحياء الذين قدموا خدمات جليلة لمهنة الصحافة بل أولئك الذين فقدوا حياتهم وهم يخدمون بلاط صاحبة الجلالة. هذه الالتفاتة الإنسانية الرائعة أشاعت جوا من التفاؤل والأمل في نفوس الكثيرين من الذين حضروا وشاركوا في الملتقيات الفكرية التي رافقت المنتدى. ففي وسط عواصف التغيير التي هبت على العالم العربي لم تنس دبي دور الذين فقدوا حياتهم وكرسوا جهودهم لإيصال الخبر أو الصورة لنا.
إن هناك قلة من المدن يشعر الإنسان فيها بهذا الإحساس وقلة من المدن تستطيع أن تقدم للساكن فيها تلك الخيارات والمزايا بالإضافة إلي ذلك الشعور الإنساني الرائع. فلا غرو أن يعشقها القاصي والداني. فما تقدمه دبي يأتي ضمن منظومة قيمية أمنت بها القيادة السياسية في دولة الإمارات كما أمن بها شعبها بل ومن سكن فيها. ولأنها قائمة على مقومات إنسانية لا تمتلكها غيرها من المدن تفوقت دبي على مثيلاتها حتى أصبحت اليوم تمتلك أنموذج خاص بها. إن هناك مدنا صنعتها شهرتها ومدنا اشترت شهرتها، ولكن دبي مدينة تعمل ليلا ونهارا على إمداد شهرتها بلمسة إنسانية رقيقة تبقيها حالة مضيئة بين المدن. إنها دبي مدينة النور والإنسانية.