هل يمكن التعرف على واقع شعب معين من خلال دراسة التصريحات التي يدلي بها ساسته بين الحين والآخر، أم أن من الأفضل التوجه نحو زيارات ميدانية للتعرف على حال المدن والقصبات، والتعرف على أسلوب معيشة الناس ومعدلات دخلهم، والقيام بزيارات للتعرف على وضع المؤسسات التربوية والتعليمية والصحية، .
والحديث مع الإعلاميين للتعرف على حجم المتاح من الحريات وعدد الصحف التي بمقدور الفرد الاطلاع عليها، وزيارة السجون للتعرف على أحوال المعتقلين، و....، أم أن هناك طرائق أخرى أكثر نجاعة نستطيع بوساطتها الحصول على معلومات أوفر وأكثر دقة عن حالة الشعب، بعيداً عن العواطف والأهواء؟
تصريحات الساسة تكون عادة متناقضة تربك الراصد، لأنها تفتقر إلى الموضوعية في بعض الأحيان، وتتسم بالانحياز في جميع الأحيان، خاصة حين يستعرض السياسي حسنات برنامجه ويعرّض ببرامج خصومه.
. وتخضع هذه التصريحات عادة للتحليل الذي تختص به فئة ضئيلة من حملة الأقلام تمتلك مدخلاً واسعاً إلى وسائل الإعلام، فتتشكل وفق ذلك أطر فكرية عامة يتكيف وفقها الرأي العام في البلد.
وتعكس هذه التصريحات، بكل تأكيد، بعض الشيء عن واقع الشعب من منظور خاص بهذا السياسي أو ذاك، ضمن لعبة الصراع على السلطة. فهي تقييم تختلط فيه تفاصيل هذا الواقع، أو بعضها، مع أجندة الكتلة السياسية التي ينتمي إليها هذا السياسي، وفي أحيان كثيرة لا تغيب العناصر التي تتعلق بطموحاته الشخصية، عن مضامين هذه التصريحات وتوقيت الإدلاء بها.
ومع أن دوافع هذه التصريحات ليست كشف الحقيقة فحسب، إلا أنها لا تكون بعيدة كثيراً عن ذلك حين يتعلق الأمر بأحد شعوب الدول المتقدمة، التي لها تاريخ حافل بالتجربة الديمقراطية، .
والتي تلتزم إلى حد بعيد بما تمليه اللوائح والقيم الإنسانية في ما يتعلق بحقوق الإنسان. أما حين يتعلق الأمر بأحد شعوب الدول النامية، التي لا يزال معظم أفرادها أسرى الانتماء الضيق للقبيلة أو المنطقة أو القومية أو الدين أو المذهب، فالصورة تختلف كثيراً، وتصبح المسافة شاسعة بين واقع الحال وبين ما يرسمه السياسي وإعلامه.
تصريحات الساسة العراقيين ترسم صورة مشوشة جداً عن الواقع، وهم في وادٍ والشعب العراقي في وادٍ آخر. فهذا الشعب يعتبر من أكثر الشعوب انشغالاً بالشؤون السياسية، وطالما شهدت ساحاته وشوارعه تظاهرات دموية، واكتظت سجونه الكثيرة بالمعتقلين السياسيين، وطالما فقد العديد منهم حياته تحت التعذيب رافضاً الانصياع لرغبات جلاديه، وطالما شهدت دول أخرى، قريبة أو بعيدة، معاناة أبنائه المهجرين والمهاجرين.
. وحين سقط النظام السابق الذي ألغى الحريات وكمم الأفواه، انطلقت بعنف حناجر العراقيين لتتحدث علناً في الشأن السياسي، وامتلأت المدن العراقية بالمنظمات والأحزاب، واكتظت أرصفة الشوارع بالصحف التي تتحدث بمختلف النكهات وعلى جميع الموجات.
. إلا أن جل الأحاديث التي يتناولها عامة الناس، لا يرقى إلى مستوى التحليل السياسي للوضع القائم، وإنما تتعلق بأحوالهم المعيشية وتعكس بصدق واقع حالهم، حيث تحاصرهم قسوة الحياة في كل مفردة من مفرداتها، وتضعهم على مسار اللايقين مما سيأتي به الغد.
والحقيقة أن هناك فجوة واسعة وعميقة بين الأجواء التي يعيش فيها الساسة العراقيون، ماديا وفكريا، وبين واقع الشعب العراقي. فحين يتطرق أحدهم إلى الأوضاع البائسة في البلد، يصر على حصر الحلول الناجعة برؤية الكتلة التي ينتمي إليها، متناسيا أن أوضاع البلد لم تعد تحتمل المزيد من الإهمال. وهذا في الحقيقة يشير إلى واقع خطير، فهو إما جاهل بما وصلت إليه الأوضاع من تردٍّ، وهذا ما يؤاخذ عليه، أو عالم بذلك متجاهل له، وهذا ما يدان فيه.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الصراع بين أقطاب العملية السياسية حول المساحة المتاحة في صناعة القرار، وتزداد لغة التخطاب المتبادل حدة، ويزداد تفاقم الأوضاع المعيشية والأمنية في البلاد، تتركز الضغوط على قطبي العملية السياسية؛ المالكي وعلاوي، وكأنهما دون غيرهما من يمتلك مفاتيح الحلول.
فالولايات المتحدة تمارس ضغوطها بشكل غير مباشر، من خلال المبادرات التي يقدمها رئيس إقليم كردستان والأمم المتحدة، عبر الدعوات المتكررة لممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق. وتتمحور هذه الضغوط على ضرورة إجراء لقاء بين علاوي والمالكي، والانتقال من سيناريو الرسائل المتبادلة بينهما، إلى سيناريو الحوار المباشر بحضور البارزاني، لإحياء مبادرته التي عرفت بتفاهمات أربيل والتي تعثرت منذ البدء بالمباشرة في تطبيقها.
والحقيقة أن من المستبعد أن تنتهي مشاكل العراق بتسوية الخلافات بين علاوي والمالكي، وهو أمر قد يكون بعيد الاحتمال. فالرسالة التي بعث بها علاوي في السابع من مايو الجاري ردا على رسالة المالكي المؤرخة في السادس منه، تكشف الكثير عن حجم الأزمة السياسية في العراق.
علاوي لم يجد نفسه بحاجة لبعض الوقت للتفكير في محتوى رسالة المالكي، فلا جديد فيها ولا جديد كذلك في موقفه مما جاء فيها، هذا من جهة. كما يكشف محتوى الرسالة عن مدى بعد الشقة بين التيارين الرئيسيين في العملية السياسية، من جهة أخرى.
فللتعرف على أوضاع العراق الحقيقية، يجد الباحث نفسه مضطراً للتخلي عن تصديق ما يتوافر من معلومات عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية، فهي لا تدعو للثقة لأنها تخضع للاعتبارات السياسية ولغيرها. كما أن أحاديث الناس وآراءهم هي الأخرى لا يمكن الأخذ بها، فهي متباينة ومتناقضة حسب الأهواء والمشارب والانتماء والمصلحة وغير ذلك.
وتبقى الوثائق التي تصدر عن المنظمات الدولية التي ترصد الأوضاع بمهنية وحياد وأمانة، هي المرجع الأفضل للباحث عن الحقيقة. فما تكشفه الوثائق الصادرة عن هذه المنظمات (اليونسيف، الصحة العالمية، العفو الدولية، حقوق الإنسان، الشفافية الدولية، و...)، وهي منظمات على درجة عالية من الرصانة والدقة في الرصد، من تردٍّ كبير في مختلف مجالات الحياة في العراق، أكبر كثيراً من أن تتم مواجهة تداعياته بلقاء بين علاوي والمالكي.