لو كان لنا من رؤية إجماليّة راهنة لمحركات الثقافة السياسية على امتداد العالمين العربي والإسلامي، لوجدنا وضوحاً بيّناً في مسارات الاستقطاب واتّجاهاتها. نقول هذا على الرّغم ممّا يشوب الصورة العامة من تداخلات وتباينات، تبدو على الجملة في غاية التعقيد.

لكن أيا كان الأمر، فثمّة من التحوّلات ما يشهد على حضور ثلاثة سياقات ثقافية يسابق بعضها بعضاً، وكلّ من الفاعلين فيها محمول على الأخذ بما يمكّنه من صناعة حقائق الزمن الجديد.

الأول؛ سياق الاستتباع، وهو يقوم على التماهي ومسالك القيم الغربية، وعلى الرضى بتوقيعات الموجة النيوليبرالية المتمادية، وأساسا على القبول بمشروعيّة الدولة اليهودية كطور أخير من أطوار الاستيلاء على فلسطين.

الثاني؛ سياق المقاومة في ما ظهر من تجاربها المعاصرة، لا سيما لجهة النظر إليها معرفيا كمنظومة نهضويّة أخلاقيّة شاملة، ترمي إلى تحرير الإنسان والأرض، وإلى تحقيق السيادة والكرامة الوطنية.

الثالث؛ سياق التغيير تحت ظل الحالة الرمادية التي تغشى الوضع العربي الراهن، وهو سياقٌ فكري ثقافي، يعبّر عن نفسه في العالب الأعم، بقول سياسي عام قوامه تغيير أنظمة الحكم.

من مفارقات هذا السياق أنه يبدو خُلوا من الهندسات الفكرية، التي كنّا أَلِفناها في الثورات الوطنية والاشتراكية والدينية المُنصرمة. وأنه في الآن عينه يفتقر إلى استراتيجيات واضحة المعالم، ترتّبها رؤيات أيديولوجية توضَّح هويات السلطة، أو تفصح عن التصورات المفترضة حول طبيعة نظام الدولة الجديدة.

ليست التحوّلات التي تعصف بمجتمعاتنا العربيّة هذه الأيام، سوى تجلٍّ صريح لاحتدام هذا المثلث من السياقات. وسيبدو لنا بما لا يقبل الريب، أنّ ما كشفت عنه تلك التحوّلات، يُفضي على وجه الإجمال إلى نشوء وعي عام، مآله مغادرة همّيْن تاريخيَّين متلازمين: همّ السيطرة الاستعمارية، وهمّ الاستبداد الداخلي.

غير أنّ الوجه الأشدّ خطراً في المشهد، هو ما يُترجمه المسعى الذي تتولاّه الموجة الفكرية النيوليبرالية، بما نسميه بـ«الحرب على المعنى». وهي الحرب التي تستهدف اغتيال الولاء للهويات الوطنية، وتفكيك منظومات القيم الدينية والأخلاقية، تحقيقا للهيمنة الشاملة. وإذا كانت الغاية من الاجتياح المعرفي هي صناعة وعي عام قابل للإذعان، فالغاية القصوى هي جعل الجمهور المُستهدف ممتنعا بإرادته عن التساؤل والنقد والاعتراض.

ونتيجة الأمر أن يصبح المهيمَن عليه ضمن وضعية يكون فيها غافلا عما هو فيه، بحيث تنشأ لديه قناعات تُفضي به إلى التسليم والإصغاء والتمثّل.

في الوضعيّة العربية، تمضي وقائع «الحرب على المعنى»، على ثلاثة محاور مركزيّة متزامنة:

المحور الأوّل: مصادرةُ أيّ احتمال للتغيير التاريخي، من شأنه أن يضع شعوباً على صراط السيادة الكاملة. ذلك ما ظهرت مؤشراته بوضوح في المجتمعات التي شهدت ثورات شعبية عارمة، مثل مصر، وتونس، واليمن، والبحرين، وليبيا.

المحور الثاني: استئناف الإدارة الديمقراطية الأميركية، العمل على إعادة تفعيل فلسفة التفكيك، أو ما يعرف في مجال الفكر السياسي باستراتيجيات الفوضى الخلاقة، التي كان بدأها المحافظون الأميركيّون الجُدد قبل نحو عقدين مضيا. إنّ مثل هذه الفلسفة، تستأنف اليوم على نشآت وحروب منوّعة، من مظاهرها البيّنة، أنها تستبعد أو تؤجل سياسات الاحتلال والغزو المباشر، .

وتأخذ بدلا من ذلك بسياسات إثارة المنازعات الطائفية والمذهبية، والدفع بالحروب الأهلية، وتفجير الوحدات الوطنيّة. ولعلّ ما نلاحظه اليوم في أكثر من ميدان عربي، يشكل ـ وإن بتقنيات وشروط متفاوتة ـ أمثلة صارخة على ذلك النوع، الذي اصطُلح على تسميته بـ«الفوضى الخلاّقة»..

وأمّا المحور الثالث: فيقصد الساعون نحوه إلى احتواء ثقافة المعنى؛ وهو ما يجد مثاله المتمادي في تبهيت البُعد المُتسامي لفكرة المقاومة. فسنرى بعد الانتصارات التي حقّقتها المقاومة في لبنان عام 2006، وفي فلسطين عام 2009، كيف تضاعفت وتائر الاحتواء حتى بلغت الذروة. بدا الحال جليّاً في النموذج المدوّي الذي أظهرته الحملات الإعلامية لمصادرة معنى الانتصار، مثلما برز بوضوح من خلال إعادة الاعتبار لخطاب ثقافي معاكس قَوامه

: إجراء تحويلات عميقة في الوعي العربي والإسلامي، يصل مداه إلى «عقلنة» الأطروحة الإسرائيلية، بغاية جعلها جزءا من الحالة الحضارية والدينية والسياسية العامة لشعوب المنطقة.

ولعلّ ما نشهده من تداعيات، إن لجهة تعميم القيم الليبرالية والأخذ بثقافة المجتمع المفتوح، أو لناحية تفعيل عمليّات التطبيع، وتعويم الظاهرة الإسرائيلية، يُظهر المقاصد الحقيقيّة لما يُسمّى بـ«الثورات الإصلاحية الملونة»، وهي الثورات التي غالباً ما سُوَّقت تحت عناوين إغوائية ذات أبعاد ومضامين نبيلة، مثل الحريّة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

. ولمّا كانت عناوين كهذه تنطوي على قابليّة التوظيف والاستخدام، فإنّ المآل الجوهري لإجراءات التحويل، هو إسباغ الشرعيّة على «الوجود الإسرائيلي»، بحيث لا ينتهي أي تغيير إلى وضع المجتمعات العربية والإسلامية ومراكز القرار فيها، في مواجهة تاريخية مع السيطرة الثقافية الاستعمارية، وبالتالي مع الدولة اليهودية في فلسطين.

إذا كانت هذه هي السِمات الإجماليّة لصورة الاحتدام الحاصل اليوم، فإنّ الدلالة المستخلصة من حراك الساحات العربية، هي الإنباء عن زمن استثنائي وجديد من المواجهات، حيث تبدو وعود النهضة وأسئلتها أكثر علاماته ظهوراً.