المصائب الكبار لا تصيب إلا الكبار. وكذلك الفضائح الكبار لا تأتي إلا من الكبار. وكما قال الشاعر العربي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم. وهذا ما هز المجتمع الفرنسي في الرابع عشر من مايو، .

 

وبدأ الفرنسيون وهم يستيقظون من نومهم في التساؤل فيما بينهم فيما لو أنهم قد ذهبوا بعيدا في الثقة بالنفس، أو فيما أنه يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وفيما لو إنهم في الطريق الصحيح نحو احتلال مكانة الدولة العظمى بعد انحسار الدور الأمريكي في العالم؟

 

دي أس كيه DSK. وهذا ما اتفق عليه الإعلام الفرنسي في تسمية دومينيك ستراوس كاهن، الذي ولد عام 1949، والذي تدرج في حياته العملية من أستاذ في الاقتصاد في إحدى جامعات باريس، إلى نائب في البرلمان عن الحزب الاشتراكي، ثم وزير الاقتصاد والمالية والصناعة في عهد حكومة ليونيل جوسبان.

 

غير أن واحدة من أهم المناصب التي تقلدها وربما تكون الأخيرة في مسيرة حياته هو منصب المدير العام لصندوق النقد الدولي والذي يقع مقره في واشنطن. وهذا المنصب الأخير وكونه يقع في الولايات المتحدة، ووقوع الحادثة على أراضيها، أعطى الفضيحة بعدا عالميا وصوتا مدويا ما كان ليحدث لو حدث في أحد فنادق باريس مثلا.

 

. والمعروف أن ستراوس له صولات وجولات سابقة في مثل تصرفه هذا، ولكنه كان يخرج منها في كل مرة منتصرا، كحادثة مشابهة له وقت عام 2002 مع صحفية فرنسية شابة في الثانية والعشرين من عمرها وتدعى تريستان بانو. وكان يقر دائما بضعفه أمام النساء.

 

حيث اعترف في إحدى المرات لأحد الصحافيين بأنه لن يفوز في انتخابات الرئاسة لعدة أسباب منها ضعفه أمام النساء ويهوديته. وللعلم فإن د.س.ك. ولد من أب يهودي محام وعضو في جماعة الماسونية وأم أيضا يهودية تعمل صحفية وهي من أصل روسي وتونسي. ولا يخفي كاهن حبه ودعمه للشعب اليهودي ولإسرائيل .

 

كما هو الحال للرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي. غير أن المصيبة هذه المرة لم تقع على إسرائيل إلا من حيث أنه من أصول يهودية - وإنما على رأس الشعب الفرنسي. فقد تلقت وسائل الإعلام الخبر وكأنه لم يكفها أخبار الغليان في شارع الشرق الأوسط فصنعت منه حدثا عالميا.

 

وذلك لأن بطلها مدير عام صندوق النقد الدولي الذي تتطلع إليه أعين العديد من الدول الغارقة في محيط الأزمة الاقتصادية وعلى رأسها اليونان، التي وجدت نفسها اليوم تواجه أزمة غرق ربان سفينة النجاة التي كانت تنتظره بفارغ الصبر ليخرجها من أزمتها الاقتصادية.

 

. أما الشعب الفرنسي فقد أصابته بالذهول اتهامات القضاء الأمريكي الذي لا يتسامح في مثل هذه الاعتداءات غير الأخلاقية والذي يتوقع أن يحكم على كاهن في حال ثبتت عليه السبع تهم الموجهة إليه (كلها للعلم في حادثة واحدة) بالسجن بما لا يقل عن 75 سنة.

 

وصعب على الشعب الفرنسي أن يرى العالم بأكمله يتحدث عن هذا الفرنسي الذي كان من المتوقع أن يتربع على عرش فرنسا قريبا، يحاول الاعتداء على موظفة زنجية لا حول لها ولا قوة وتعمل في فندق تتكسب منه رزقها البسيط، فأعطى لنفسه الحق في فعل ما يشاء لأنه يملك في خزائنه ما لا تملكه هذه الفقيرة.

 

. لقد أصابت التهمة الشعب الفرنسي في الصميم، وبدا ذلك واضحا من تعليقات الفرنسيين في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة. وفيما يبدو فإن حقد الأمريكيين الدفين على الفرنسيين منذ أيام غزو العراق قد وجد أرضا خصبة للانتقام. واستغلها الإعلام الأمريكي خير استغلال، بجعلها تشبه واحدة من الأفلام البوليسية الأمريكية الحقيقية.

 

في الحقيقة، فإن ما أحزن الشعب الفرنسي أمام حادثة ستراوس هو أن هذا الأخير كان يمثل الشعب الفرنسي من حيث النفوذ العالمي والسلطة التي تمسك بزمام الأمور والمال والقوة التي لا تستكين والعقل المدبر الذي جاء لينقذ اقتصاد بعض الدول بأفكاره، .

 

والذي لا يمكن للعالم بالتالي أن يستغني عنه. وإذا بهذا الرئيس المرتقب تنهار أعصابه أمام منظر امرأة زنجية تعمل في تنظيف الغرف في أحد فنادق نيويورك الراقية ويحاول الاعتداء عليها بطريقة بشعة بعد أن غلق الأبواب عليها.

 

الضربة الأخرى التي وجهها ستراوس إلى المجتمع الفرنسي كانت أشبه ما تكون بالصاعقة غير المتوقعة. وتتمثل في أنه كان المرشح الاشتراكي الوحيد القادر على إزاحة الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي في انتخابات الرئاسة الفرنسية القادمة.

 

. وبكلمة أخرى أنه كان سيصبح رئيس الجمهورية الفرنسية القادم. وبالتالي رئيس الشعب الفرنسي والمستعمرات الفرنسية المنتشرة في المحيطات. وما زال الشعب الفرنسي غير مصدق بأن هذا الرجل الذي كان متوقعا أن يصبح رئيسه في يوم من الأيام، يراه بأم عينيه مكبلا بالقيود وغير حالق الذقن زائغ العينين مشتت الذهن أمام ما ينتظره من حكم قاس، يجره اثنان من رجال الشرطة الأمريكية إلى حيث زنزانته وهو في هيئة تثير الشفقة أمام أعين الملايين من مشاهدي الفضائيات في العالم. رغم أن الحكم النهائي لم يصدر بعد رغم الأدلة الدامغة على فعلته السوداء.

 

ترى ماذا سيكون حال وموقف الشعب الفرنسي الذي يدافع ليل نهار عن حرية الإنسان والمرأة على وجه الخصوص، فيما لو أن هذا الحدث وقع بعد انتخاب ستراوس رئيسا له؟

 

ما زال الشعب الفرنسي تحت الصدمة مما حدث، من مواطن فرنسي يمثل بلده وشعبه في واحدة من أهم الهيئات الرسمية في الخارج ومرشحا للرئاسة، والذي أصبح بين ليلة وضحاها أسير القضبان بعد أن خسر سمعته وحاضره ومستقبله مقابل نزوة لم تكتمل له.

 

في واحدة من مقالاتنا السابقة كنا قد تطرقنا إلى انتهاء عصر العمالقة من حكام فرنسا منذ عصر نابليون بونابرت مرورا بشارل ديغول وبومبيدو وفاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتيران وانتهاء بالرئيس جاك شيراك الذين تميزوا جميعهم بشخصياتهم الثقيلة الوزن والمتزنة في اتخاذ القرارات المصيرية سواء على المستوى الداخلي أو في علاقاتهم الدولية والتي جعلت من فرنسا دولة عظمى بامتياز.

فهل سيرضى الفرنسيون بعد هؤلاء بانتخاب من يرأسهم على شاكلة DSK ؟