تشير الأدبيات إلى أن الشعوب تلجأ إلى الثورات عندما لا تكون سعيدة بوضعها الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، وعندما تشعر بأن حكوماتها لا تستجيب لمطالبها الشرعية، لذلك تسعى الشعوب إلى أسلوب الثورات لتغيير النظام الحاكم برمته، أو تغير الحكومة القائمة واستبدالها بحكومة أخرى تستجيب لمطالبها، أو للضغط لإحداث إصلاحات معينة.
. وحدوث الثورات مرتبط بأنظمة الحكم، حيث إن الثورات تحدث في الأساس في الدول غير الحرة والتي لا يحس المواطن فيها بأن حقوقه السياسية وحرياته المدنية مكفولة له بشكل كامل.
وبالنظر إلى الحالة العربية التي تعيشها المنطقة حالياً فإن الملاحظ أن المطالب الشعبية متفاوتة في طبيعتها بين شعوب الدول العربية، حيث ان هناك شعوبا تطالب بإسقاط الأنظمة وتغيرها، وهناك شعوب تطالب بإصلاح في النظام السياسي، وهناك شعوب تطالب بمطالب فئوية مرتبطة بحالات وأوضاع خاصة.
وعند الوقوف على مسببات اندلاع الثورات العربية نلحظ أن هناك مجموعة من الأسباب التي أدت لتلك الثورات، أهمها:
أولاً، غياب الحريات المدنية والحقوق السياسية، فجميع الدول العربية التي شهدت أحداثا شعبية مطالبة بتغيير النظام السياسي تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن - هي دول تُصنف على أنها لا تحترم الحريات المدنية والحقوق السياسية، وأنها دول سلطوية لا تتوفر فيها التعددية السياسية الفعلية ولا حرية إعلام ولا فصل حقيقي بين السلطات.
. وبالتالي فإن كبت الحريات السياسية وعدم إشراك المواطنين في عملية صنع القرار ولد لدى مواطني تلك الدول الرغبة في تغيير النظام لصالح نظام يتمتع باحترام الحقوق السياسية والحريات المدنية
. وحتى تلك الدول التي بها درجة من الحريات السياسية والمدنية كالمغرب والأردن والعراق نجد أن مطالبها الشعبية تتركز حول السعي لتحقيق مزيد من الإصلاحات السياسية التي من شأنها إعطاء المواطن حق المشاركة في صنع القرار بشكل عادل ومنصف. فالمطالبة بالحريات والحقوق السياسية كانت هي الأبرز على الساحة الشعبية العربية، وعليه فإنه حق القول بان غيابها كان سبباً من أسباب اندلاع الثورات العربية.
ثانياً، انتشار الفساد، فجميع الدول العربية التي شهدت مطالبات شعبية بتغير النظام السياسي هي أنظمة تعاني من الفساد حسب تصنيف منظمة الشفافية العالمية. فغياب الرقابة الشعبية الناتجة عن غياب الديمقراطية في تلك الدول خلق درجة عالية من الفساد فيها، .
وهو ما ألقى بظلاله سلباً على الكثير من الجوانب الحياتية للمواطن، وعكس صورة سلبية لديه عن عمل حكومته. فحسب مؤشر الشفافية والفساد العالمي الصادر في عام 2010 فإن اليمن وليبيا تأتيان في المرتبة 146 في تصنيف المؤشر لدرجة الفساد في الدول والذي يضم 178 دولة، فيما جاءت مصر في المرتبة 98 وتونس في المرتبة 59. .
ثالثاً، تراجع مستوى المعيشة، فجميع الدول العربية التي شهدت مطالبات شعبية بتغيير نظامها السياسي تعيش درجة من التراجع في مستوى معيشة شعبها. وهذا التراجع ليس سببه قلة شح الإمكانات والموارد في مثل تلك الدول وإنما هو نتاج سوء التخطيط والفساد.
. فليبيا على سبيل المثال دولة بترولية كانت تنتج نحو 2 مليون برميل يومياً، وهي صاحبة أكبر مخزون نفطي في أفريقيا، واحتياطها يعتبر التاسع عالمياً، وهي بذلك تعتبر واحدة من أهم الدول النفطية في العالم، .
حيث انها كانت تزود العالم بنحو 2% من احتياجاته النفطية. ورغم صغر حجمها السكاني الذي لا يتعدى السبعة ملايين نسمة وارتفاع حجم قدراتها النفطية إلا أن متوسط الدخل الفردي فيها يعتبر متراجعا مقارنة بدول تقلها قدرة نفطية، حيث بلغ المتوسط بنحو 12 ألف دولار أميركي في السنة.
وعند الحديث عن مصر فإن متوسط الدخل الفردي السنوي لا يزيد على نحو 2800 دولار، حيث يعيش نحو 20% تحت خط الفقر (المحدد من قبل البنك الدولي بـ 2 دولار أميركي أو أقل في اليوم) ويعيش نحو 30% منهم فوق الخط بقليل.
وعن اليمن فإن نحو نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر. وتأتي كل من اليمن ومصر في مؤخرة ترتيب مؤشر الفقر البشري. وأما عن تونس فلا يوجد فيها فقر واضح إلا أن هناك عدم مساواة في الدخل بين السكان فيها، حيث ان 40% من الشعب يحصلون على 70% من الدخل القومي.
. ومع الارتفاع المستمر في أسعار المنتجات الغذائية نتيجة لارتفاع أسعار النفط ونتيجة لتراجع الإنتاج بسبب سوء الأحوال الجوية فإن ذلك يزيد من الضغط على المستوى المعيشي للأفراد، وتصبح بالتالي الحكومات في وجه العاصفة الشعبية.
رابعاً، اتساع معدلات البطالة، فجميع الدول التي شهدت ثورات شعبية ضد أنظمتها السياسية وتلك التي شهدت وتشهد مطالب شعبية بالإصلاح السياسي تعيش حالة من ارتفاع لمعدلات البطالة عن مستواها الطبيعي المقدر بـ 5% 7%، ولاسيما بين فئات الشباب.
. فاليمن بها نسبة بطالة تصل إلى 35%، وكل من ليبيا وتونس بها 30%، ومصر 24%، والعراق بها 15%، والأردن 13%، والجزائر والمغرب بها نحو 10%. ولعل الأمر الهام المرتبط بالبطالة هو أن الثورات والمظاهرات التي جرت في الدول العربية هي من نتاج تحرك فئة الشباب، التي تعتبر أكثر تضرراً من حالة البطالة المنتشرة.
وبنظرة سريعة للعمر الوسيط (العمر الوسط الذي يمثل ما دونه نصف الشعب وما أعلاه النصف الاخر من الشعب) لشعوب الدول العربية يتضح لنا بأن الشعوب العربية يغلب عليها الطابع الشبابي، حيث ان العمر الوسيط في اليمن نحو 18 سنة، والعراق 20 سنة، والأردن 22 سنة، ومصر 24 سنة، وليبيا 24 سنة، والمغرب 26 سنة، والجزائر 27 سنة، وتونس 30 سنة.
من ذلك كله يتضح لنا بأن هناك مجموعة من الأسباب أدت بالشعوب العربية إلى الثورة ضد أنظمتها الحاكمة، فغياب الحريات والحقوق السياسية، وانتشار الفساد، وتراجع مستوى المعيشة، واتساع معدلات البطالة كلها أسباب ساعدت على الوصول بالحالة العربية إلى الوضع الذي هي عليه اليوم من حراك شعبي لا مثيل له في تاريخها الحديث.