شغل مفهوم «الاستقرار» حيزاً كبيراً في حياة الفرد والمجتمع في أي مكان من العالم، وذلك لأن حالة الاستقرار، على مختلف المستويات، تعتبر في عرف واضعي الخطط والاسترتيجيات، المدخل الرئيسي لضمان نجاح ما يرسمه الفرد وما تخطط له مؤسسات المجتمع.
فعلى المستوى الاقتصادي لا يخفي المعنيون بالأمر ارتياحهم لاستقرار الأسواق المالية، ويتحدث المستهلكون بلهجة الرضى عن استقرار الأسعار، ولا يخفي القريبون من مريض في حالة حرجة، فرحتهم حين يصدر التقرير الطبي مشيرا إلى استقرار حالته الصحية.
الاستقرار في بلد معين يعتبر أبرز الضمانات لأمنه، ويتطلب تحقيق ذلك توافر عوامل عديدة فاعلة، منها ما هو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، ومنها ما له علاقة بالتوازنات الخارجية الإقليمية والدولية.
هناك أطروحة تتردد كثيراً في الدراسات التي تتناول الوضع السياسي في العراق منذ سقوط النظام السابق، وهي أن العراق قد دخل مرحلة جديدة من تاريخه تتسم بعدم الاستقرار.
. والحقيقة أن هذا الاستنتاج يفتقر إلى بعض الدقة، حين تربط حالة عدم الاستقرار في العراق بهذا المفصل من تاريخه فحسب. فمن له اطلاع على تاريخ العراق، لا يجد صعوبة في التوصل إلى حقيقة أن هذا البلد لم يشهد فترات استقرار كثيرة في تاريخه الحديث، سواء في العهد الملكي أو العهد الجمهوري.
ولا يتسع المجال للخوض في تفاصيل ذلك في هذه السطور القليلة. وقد تفاقمت حالة عدم الاستقرار فيه بعد قيام ثورة الرابع عشر من يوليو عام 1958، التي مهدت الطريق لسلسلة من الانقلابات العسكرية والتصفيات السياسية التي رافقتها.
إلا أن احتلال العراق في التاسع من إبريل 2003، قد أضاف عوامل عدم استقرار جديدة، داخلية وخارجية. فقد أسهم في إيقاظ قوى متناقضة المصالح وذات نوايا يحيط بها الكثير من الغموض، بعد سبات طويل، ودفع بحالة عدم الاستقرار إلى مستوى جديد غير مسبوق، حين أصبح لهذه القوى وللأيديولوجيات التي تتستر بها، دور كبير في تقرير مستقبل العراق ومصيره.
فقد أصبح العراق منذ ذلك اليوم ساحة تنافس وصراع بين مشاريع عديدة، لها جوانب متعددة سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية وثقافية، ولها أدواتها التنفيذية لصناعة واقع جديد في العراق يحقق مصالح من يقف خلفها.
في الآونة الأخيرة دخل الحديث عن حالة عدم الاستقرار في العراق، وتحليل عواملها والتنبؤ بحجم تداعياتها على مستقبل البلد وأسلوب مقاربتها، طوراً جديداً، وذلك بالتزامن مع الحديث عن قرب رحيل القوات الأميركية نهاية العام الحالي، حسب الاتفاقية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة، والفراغ الأمني الذي تخلفه لعدم قدرة العراق على الدفاع عن أرضه ومياهه وسمائه.
. وفي هذا الصدد صدرت دعوات من بعض البرلمانيين العراقيين، لتشكيل مجلس تعاون استراتيجي إقليمي، يضم العراق وإيران وتركيا وربما دولة أخرى أو دولتين من دول المنطقة، لضمان أمن العراق والحفاظ على استقراره.
ولسنا هنا بصدد التحدث عن الدوافع التي تكمن وراء دعوات من هذا النوع، ومن ينتفع من ترويج هكذا مشاريع، إلا أن المهم هو اختبار مدى سلامة طرحها ومدى مساهمتها في إحلال الاستقرار في العراق. والحقيقة أن دعوات كهذه، تجرنا للتعليق على الأسس التي تستند إليها عادة هذه التكتلات أو المجالس أو التحالفات، لأهمية ذلك على مختلف الأصعدة.
. فالدخول فيها يحتم الالتزام بشروط تحددها أطر سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، وتتطلب اتخاذ إجراءات وتدابير لمواجهة أخطار محتملة من دولة أو مجموعة دول، أو لتلبية استحقاقات تفرضها ظروف بيئية أو مناخية، لها حضور في المنطقة الجغرافية التي تشغلها هذه الدول المتحالفة.
تتشكل هذه التحالفات عادة لتحقيق أهداف سياسية أو أمنية أو اقتصادية أو عسكرية، بين دول تلتزم الأنظمة القائمة فيها بالسير وفق رؤى استراتيجية متقاربة إن لم تكن متشابهة، ولها رؤية مشتركة لمصادر الأخطار التي تهددها وحجم هذه الأخطار. وتتمتع هذه الأنظمة بميزة الاستقرار الذي تسعى للحفاظ عليه من خلال الدخول في هكذا تحالفات.
ولدينا أمثلة عديدة عن تحالفات بنيت على هذه الأسس: حلف شمال الأطلسي، وحلف وارسو، وحلف بغداد، والاتحاد الأوربي، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة الأوبك، ومجلس التعاون الخليجي... لن ندخل في تفاصيل هذا الموضوع الواسع المتشعب، بل نكتفي بمناقشة إحدى أبرز المقومات التي تدفع الدولة للدخول في تحالف مع دول أخرى، ألا وهو الاستقرار، فهو وفق ما نراه سبب من أسباب التحالف، وليس نتيجة يتمخض عنها.
الدولة التي تشهد ساحاتها استقراراً وأمناً، تكسب من هذه التحالفات المزيد من الاستقرار، في حين تصبح الدولة التي تشهد ساحاتها عدم استقرار، كما هو الحال في العراق، ضحية هذه التحالفات، بل نستطيع القول بأن الدخول في تحالفات كهذه يكون على حساب مصالحها، ولن تكسب منه شيئاً.
عدم الاستقرار في العراق يعود بالدرجة الأولى إلى خلل داخلي بحت، أسهمت التدخلات الخارجية في تضخيم حجمه. فالعملية السياسية في العراق الجديد قد بنيت على أرضية قابلة للتفجر، وذلك لغياب المشروع الوطني الذي لا تختلف الكتل السياسية على محاوره، رغم اختلافها في طرائق مقاربة هذه المحاور.
. ومن هذا المنطلق، فإن من خطل الرأي التغاضي عن هذه الحقيقة واقتراح حلول تدفع بالعراق إلى المزيد من التشرذم، ناهيك عن استحالة تحقيقها لافتقارها لأبرز مقومات التحالف من جهة، ولعدم انسجامها مع أطر التوازنات القائمة في المنطقة من جهة أخرى.
والحقيقة أن المواطن العراقي هو الأكثر أهلية للحفاظ على استقرار بلاده، عن طريق إسهامه في تصحيح مسارات العملية السياسية. فعبر التجربة المرة التي حصدتها الغالبية العظمى من العراقيين على مدى السنوات الماضية، تعمق وعيه بجوهر اللعبة التي يتقاسم فيها الكبار المغانم على حساب مصلحة الوطن، وأصبح بمقدوره قلب المعادلات في الانتخابات النيابية القادمة، .
والتي من المتوقع أن تكون مبكرة، ليدفع بمن يمثله حقيقة إلى قبة المجلس النيابي، لإعادة صياغة الدستور وتوضيح ما هو ملتبس فيه، والحرص على أن تكون الروح السائدة في بنوده وفقراته متسمة بالروح المدنية، وتشريع قوانين جديدة لترخيص عمل الأحزاب، وقانون جديد للانتخابات، لسد الطرق أمام وصول أدوات الغير إلى مواقع صياغة القرارات التي تسمح بمرور مشاريع غير عراقية.