تمر الأمة العربية اليوم بأسوأ مرحلة شهدها تاريخها المعاصر، فكبريات الدول العربية خرجت من المعادلة الاستراتيجية الإقليمية لأسباب مختلفة، لتفسح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لسد الفراغ الذي يبدو على درجة عالية من الوضوح في منطقتنا.

فالعراق اليوم في أضعف حالاته بسبب ما مر به من حروب وأزمات، والسودان تم تقسيمه إلى شمال وجنوب، وليبيا تمزقها حرب أهلية طاحنة، ومصر تتقاذفها مخاطر ما بعد الثورة في طريق غامض المعالم، واليمن يسير بقوة نحو التغيير السياسي وبوادر التقسيم والحرب الأهلية بدأت تلوح في الأفق بوضوح تام، وسوريا تعيش حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار السياسي، وتضاف إلى ذلك التبعات السلبية للصراع العربي/ الإسرائيلي طيلة أكثر من ستين عاماً.

ويأتي عامل غياب الدور المؤثر لجامعة الدول العربية، ليتفاعل مع محصلة عوامل تراجع الدور العربي في المنطقة، وليسهم بقوة في انحسار أي دور عربي يمكن أن يضمد جراح هذه الأمة، التي كانت خير أمة أخرجت للناس. ويمكن تشخيص أهم العوامل التي أسهمت في انحسار دور الجامعة العربية على المستوى الإقليمي، بالعوامل التالية:

ـ إخفاق جامعة الدول العربية في معالجة قضايا العرب المركزية، كقضية الصراع العربي/ الإسرائيلي.

ـ عدم حيادية جامعة الدول العربية تجاه بعض القضايا العربية، الأمر الذي أفقد العرب الثقة فيها.

ـ تقبل هذه الجامعة لأدوار إقليمية أجنبية لمعالجة قضايا عربية.

ـ عدم امتلاك الجامعة العربية رؤية استراتيجية واضحة المعالم تجاه قضايا العالم العربي.

ـ مقر الجامعة العربية في مصر، كان يمكّن من التأثير في قراراتها، من خلال الضغط الاقتصادي على مصر التي كانت تستجيب لأية ضغوط دولية، بسبب الوضع الاقتصادي الضعيف لمصر آنذاك.

وفي هذه العجالة، نعتقد بأن جامعة الدول العربية لم تعد قادرة على القيام بمهامها، ولا ينفع تغيير مقر الجامعة أو أمينها العام أو حتى كوادرها الدبلوماسية.

وضمن إدراك خليجي، وفي خطوة مفاجئة أعلن مجلس التعاون الخليجي عن ترحيبه بضم الأردن والمغرب إلى المجلس، من أجل تقوية تكتل عربي قد يستطيع مواجهة مخاطر محدقة بالمنطقة، انطلقت من ظروف دولية وتدخلات إقليمية في الشؤون العربية. ورغم أن هذه الخطوة تحتاج إلى دراسة معمقة في حالة منح الأردن والمغرب العضوية الكاملة أو العضوية المحدودة في مجلس التعاون الخليجي، من أجل تقييم دقيق للمكاسب والتكاليف المترتبة على هذه الخطوة، فإننا نعتقد بأن هذه الخطوة لا تعادل في كفتها التحديات والمخاطر التي يواجهها العالم العربي اليوم.

فالعالم العربي يحتاج إلى خطوة استراتيجية لاستعادة الثقة بين مكوناته السياسية والاقتصادية والأمنية، ومن ثم وضع رؤية عمل عربي مشترك للانطلاق لإعادة بناء المنظومة العربية، بكل مضامين البناء الحضاري للأمم التي شهدها تاريخ البشرية.

لكن هذه الخطوة الاستراتيجية لا تتأتى من فراغ، بل من إدراك قومي عروبي خالص، ينطلق من شعور إنساني غيور على معاناة الأمة العربية، وحماية تطلعاتها لتعود من جديد رائدة للحضارة والفكر الإنساني.

فالمقترح، هو أن تقوم أبوظبي بمبادرة تاريخية غير مسبوقة، لإعادة ترميم البيت العربي ولّم الشمل العربي، من خلال إنشاء منظمة عربية تلم شمل العالم العربي جميعاً دون استثناء، من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه، وتضع أبوظبي تصوراً لاتحاد عربي يقوم على العمل العربي المشترك. ولا يضر أو يتقاطع هذا الاتحاد الجديد مع وجود مجلس التعاون الخليجي، كما يرحب بالدول الخليجية أعضاء فيه. إنه اتحاد عربي بديل عن جامعة الدول العربية، اتحاد يصنع تكتلاً عربياً قوياً في المنطقة من جميع الدول العربية (إفريقية كانت أم آسيوية)، ليضاهي في قوته الإقليمية تركيا وإيران، إذا لم نقل يتفوق عليهما، ولو في بعض المجالات.

ورب سائل يسأل؛ لماذا منطقة الخليج العربي وتحديداً في دولة الإمارات؟ والجواب يكمن في أن دول الخليج العربية، ومن ضمنها الإمارات، تمتلك ثقلًا اقتصادياً عالمياً، فمنطقة الخليج تنتج 70% من الطاقة العالمية، وإمارة دبي تعتبر الثقل الاقتصادي الأول للاستثمارات الأجنبية في الشرق الأوسط، وهذه المكانة الاقتصادية ترافقها بلاشك مكانة سياسية دولية لدول الخليج، لم تأتِ إلا مما تمتلكه دول الخليج من مقدرات الاقتصاد العالمي، وما تمتلكه تالياً من مؤثرات في تحديد مسارات السياسات الدولية.

كما أن دولة الإمارات كانت دائماً ومازالت سباقة في المبادرات العروبية الأصيلة، ومثل هذه المبادرة ليس غريباً عليها، فالإمارات تمتلك من القدرات والموارد والمكانة الدولية والاستقرار السياسي، ما يؤهلها لتمارس هذا الدور الاستراتيجي لجمع الشمل العربي. ومما يساعد على ذلك أيضاً، أن أبناء الخليج اليوم أصبحوا قادرين على تحمل أعباء مجلس للتعاون العربي، فدول الخليج اليوم تمتلك كوادر دبلوماسية تجمع بين المؤهلات العلمية العليا والخبرات الوظيفية الطويلة، تجعلهم على درجة عالية من الاحتراف في العمل الدبلوماسي، وهناك خبراء خليجيون متخصصون في شتى المجالات، يمكن أن يدعموا بدراساتهم وأفكارهم عمل مجلس التعاون العربي.

إذن، غياب الدول العربية الكبرى، وتنامي التحديات الإقليمية والدولية للعالم العربي، وانحسار دور جامعة الدول العربية، والمكانة الاقتصادية والسياسية ذات الطابع العالمي التي تمتلكها دول الخليج العربي، وما تمتلكه من كوادر دبلوماسية وعلمية وفنية، كلها عوامل مشجعة نحو قيام مجلس تعاون عربي على أرض الخليج، وتحديداً في ابوظبي. ومما يدعم ذلك أن القيادة الإماراتية تستمد تصوراتها تجاه عمقها العربي، مما أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، من قيم وأفكار إنسانية، ذلك القائد العظيم الذي لطالما حمل هموم أمته العربية والإسلامية، في سلوكه فكراً وتطبيقاً.