هل ما زال موضوع التركيبة السكانية خطا أحمر لا يجب الاقتراب منه كما يعتقد البعض؟

هذا ما يجيب عليه تخصيص جلسة مجلس الوزراء، التي عقدت الأسبوع الماضي بالكامل لمناقشة موضوع التركيبة السكانية، وهو ما يؤكد انشغال الحكومة بهذه القضية التي شغلت على مدى أكثر من عقدين الكُتّاب والمهتمين بالشأن الوطني، ويزيل اللبس الذي يجعل البعض يعتقد أنها خط أحمر يجب عدم الاقتراب منه، فعندما تكون مصلحة الوطن هي القضية يصبح الحرص عليها واجبا، ويصبح الاقتراب من جميع القضايا وفتح ملفاتها ضروريا وملحا.

تخصيص مجلس الوزراء جلسته لهذه القضية، يؤكد أيضا أن المجلس غير بعيد عن القضايا التي تشغل المجتمع وتقع في بؤرة اهتمامه، وأنه يفكر بتناغم مع ما يفكر فيه الغيورون على هذا الوطن المنشغلون بهمومه. فقد أكد المجلس على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أن التعامل مع تحدي التركيبة السكانية يمثل إحدى الأولويات في عمل الحكومة، .

وأن توجيهات رئيس الدولة بهذا الخصوص واضحة، وهي العمل على تمكين المواطن، وجعله المحور الرئيسي في عملية التنمية، حيث تعمل الحكومة وفق هذه التوجيهات، على وضع وتنفيذ منظومة متكاملة من المبادرات والسياسات الحكومية المنسقة، والهادفة لتحقيق التوازن السكاني في الدولة، بالتوازن مع تنمية شاملة يستفيد منها المواطن في كافة أرجاء الوطن.

ولأن الحكومة تدرك أهمية هذه القضية، وتوليها العناية التي تستحقها، فقد شكلت لها مجلسا اتحاديا برئاسة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، توج جهوده بالاستراتيجية التي عرضها على مجلس الوزراء في جلسة الأسبوع الماضي، ونتجت عنها مجموعة من القرارات السيادية الرئيسية التي اتخذها المجلس، وكلف كافة الجهات المعنية بوضعها موضع التنفيذ. القرارات التي اتخذها المجلس في جلسته التي تشكل نقطة فارقة، ليس في مسار الاهتمام بهذه القضية فقط، .

وإنما في مسار التعامل مع تحدي التركيبة السكانية، تبدو في ظاهرها خطوطا عامة، وإن كانت قد تضمنت بعض الخطوات العملية، مثل إنشاء صندوق تحسين الإنتاجية، والتوجه بالحد من الاستقدام غير المنظم للعمالة الوافدة محدودة المهارة، والاستعاضة عنها بالتوظيف من داخل الدولة، واستقدام عمالة عالية المهارة، وما تضمنته هذه القرارات من تفاصيل وآلية لوضعها موضع التنفيذ.

هذا الزخم الذي تضيفه قرارات مجلس الوزراء هذه للدفع بقضية التركيبة السكانية نحو الحل، بعد سنوات من توغل هذه المشكلة في مجتمعنا إلى الدرجة التي يرى البعض أنها قد توغلت وأصبحت سرطانا لا شفاء منه، يفتح طاقة الأمل على مسارات الحلول التي لا يشك أحد في أنها صعبة، لكنها ليست مستحيلة بالتأكيد. ولعلنا لا نأتي بجديد حين نقول إن أول خطوة في طريق حل أي مشكلة، هي الاعتراف بوجودها.

. ونعتقد أننا قد خسرنا بعض الوقت في عدم الاعتراف بوجود المشكلة، وخسرنا وقتا آخر في التقليل من خطورتها وعدم إدراك مضاعفاتها التي تهدد هوية الوطن ومستقبله، بدليل أن القرار الأول لمجلس الوزراء تضمن تحديد مستهدفات واضحة بالنسبة للمواطنين خلال العشرين عاما القادمة، عن طريق مجموعة من السياسات والمبادرات الاقتصادية والاجتماعية المنسقة، وذلك وفقا لسيناريوهات النمو الاقتصادي والديمغرافي المتوقعة خلال السنوات العشرين القادمة.

في أسباب تفاقم هذه المشكلة، لا يمكن إلقاء المسؤولية على طرف دون غيره، فقد اشترك الجميع في كل مراحلها، من النشأة حتى الوصول إلى حد الأزمة، إما عن سوء تخطيط أو سوء تقدير للمخاطر، فليس من مصلحة أحد بالتأكيد الإضرار بمصلحة الوطن. لذلك فإنه مطلوب الآن من كل الأطراف، أن تعمل سوية للخروج منها في أسرع وقت وبأقل قدر من الخسائر، خاصة وأن ما يجري حولنا من أحداث، وما يشهده العالم من متغيرات، يقرع أجراس الخطر، ويدعونا إلى التكاتف، مواطنين وحكومة، دون تحميل المسؤولية لطرف ورفع ملاءتها عن طرف.

ربما يرى البعض، تدفعه الحماسة والغيرة على الوطن والخوف على أمنه، أننا بحاجة إلى قرارات أكثر صرامة، جريا على مبدأ البتر دون التدرج في العلاج، بينما يرى البعض الآخر أن مشكلةً تضخمت عبر أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، لا يمكن أن تحل بين يوم وليلة، .

وهناك فريق ثالث يرفع الراية البيضاء ويرى أن المشكلة لم تعد قابلة للحل، وأن علينا التعايش معها باعتبارها أمرا واقعا لا مفر منه، وأن كل ما يمكن أن نفعله هو محاولة كبح جماحها والحد من آثارها. ولكل فريق من الفرق الثلاثة مبرراته وحججه، وإن كان الجميع يلتقون على أن مصلحة الوطن همهم الأكبر.

ما بين الخطوط التي لا يجب أن نتجاوزها عندما نتحدث عن مشكلة التركيبة، والخطوط التي لا يجب أن تتجاوزها التركيبة نفسها، تأتي مبادرة مجلس الوزراء لتذيب الجليد الذي تراكم على هذا الملف. وقد بذل المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية جهدا مشكورا ومنظما لدراسة هذه المشكلة، ووضع الحلول المناسبة لحلها، وإقرارها من قبل مجلس الوزراء، .

وسيبذل بالتأكيد جهدا أكبر لمتابعة تنفيذها. ويبقى على كل طرف أن يقوم بدوره، لأن تشخيص الداء مهم وضروري، لكن الأهم هو الدواء الذي علينا أن نتجرعه، حتى لو كان هذا الدواء مرا لا تستسيغه نفوس البعض منا لسبب أو لآخر، لأن مصلحة الوطن فوق الجميع، ومستقبل الأجيال القادمة هو الهدف البعيد الذي يجب علينا أن نعمل جميعا من أجل تأمينه، حتى لو تضررت مصالح البعض منا الآنية أو القريبة.