طبيعي أن تفرز الأزمات السياسية عن متغيرات رئيسة سياسية واقتصادية واجتماعية. وعلى الرغم من قوة المتغيرات السياسية والاقتصادية وتأثيراتها الطويلة إلا أن المتغير الاجتماعي يكون دوما هو الأشد والأقوى والأعمق كونه يؤثر على البشر. فالبشر هم أول المتأثر بسلبيات أو ايجابيات الأزمات بكل أنواعها كونهم الفاعل الأساسي لتلك المتغيرات. علماء الاجتماع توقعوا الكثير بعد الأحداث الأخيرة غير المسبوقة التي اجتاحت المنطقة العربية

 

. فقد توقعوا أن تفرز الأوضاع الجديدة فكرا جديدا وسلوكيات جديدة بل واتجاهات اجتماعية جديدة سوف تغير من نظرة العربي إلى نفسه والى مجتمعه والى الآخرين من حوله، كما سوف تغير من نظرة العالم إلى العربي. ولكن ما هي الثوابت التي طالها التغير أو تلك التي سوف تتغير بالتأكيد؟ وما هي الثوابت المجتمعية التي يجب أن تبقى؟

 

الأزمات العربية طالت منطقة الخليج وسوف تترك بصماتها واضحة على المجتمع ككل. ولكن أخطر ما قد تتركه الأزمات هو الآثار النفسية والاجتماعية التي تستغرق وقتا أطول للتعافي منها وتجعل الناس تعايش ضغوطات حياتية جديدة وهي طريقة التكيف مع المتغيرات الجديدة، وكيفية خلق بيئة مغايرة ومجتمع جديد للتعايش مع الآخرين.

 

بمعنى آخر أن الأزمات تخلق متغيرات اجتماعية جديدة ليس من السهل التعايش معها أو حتى تقصي آثارها بسهولة أو وضوح الأمر الذي يجعل التعافي منها أمرا قد يستغرق زمنا طويلا.

 

. فبعض الأزمات تخلف دمارا نفسيا لا يمكن تتبع آثاره، وبعض الأزمات تخلف جروحا لا يمكن أن تلتئم بسرعة، بل ان بعض الأزمات تعصف بالأمة الواحدة وتتسبب إما في تفكيكها وإما في لم شملها كما هو في الأنموذج الألماني مثلا.

 

ولو طبقنا كل هذا التحليل على ما حصل في عالمنا العربي وانعكاساته على منطقة الخليج سنجد أن التأثيرات قوية والآثار بالغة العمق. لقد كانت دول الخليج مدركة دوما بأنها جزء من العالم العربي وأنها تتأثر سلباً وإيجاباً بما يحدث في المنطقة العربية بحكم الأواصر والروابط التي تربطها ببعضها البعض؛ لذا كانت ردة فعلها ايجابية.

 

فأسهمت بشكل أو أكثر في محاولات دؤوبة لإحلال الأمن والاستقرار في المنطقة العربية ليس خوفا من امتداد المد إليها ولكن إدراكا منها أن أمن المنطقة واستقرارها هو جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة العربية بأسرها؛ لذا جاءت مشاركات دول الخليج السياسية الخارجية كجزء من التزامها الأدبي والقومي تجاه المنطقة العربية.

 

ولكن إذا كان التصدي للازمات السياسية هو من صميم عمل الحكومات والأنظمة السياسية بينما التصدي للازمات الاجتماعية هو من صميم عمل الأمة بل كل فرد. فالتحديات الاجتماعية التي تخلفها الأزمات هي أخطر من التحديات السياسية والاقتصادية، .

 

وتأثيراتها أقوى وأعمق وأطول من باقي المؤثرات؛ لأنها بكل تأكيد تستهدف صميم المجتمع وتؤثر على بناء مجتمع جديد قائم على علاقات بل ثقة اجتماعية جديدة، خاصة في مجتمع كمجتمع الخليج المشهور بأهمية الروابط الاجتماعية وتأثيراتها على علاقات الأفراد ببعضهم البعض؛ .

 

لهذا فهي تستغرق وقتاً أطول لتطويعها وتسكينها من باقي المؤثرات. كما يصاحبها متغيرات فكرية في الوعي العام للأفراد ينعكس على دور الفرد في المجتمع وعلاقته بالسلطة وبمنظمات المجتمع المدني وغيرها من المتغيرات التي بلاشك تؤثر أيضا على العلاقات الاجتماعية بأسرها وعلى المفاهيم العامة.

 

ولكن كيف يمكن التصدي لتلك العواصف الاجتماعية والفكرية التي تستهدف الوحدة الاجتماعية ويمكن أن تؤثر على المنجز الاجتماعي بأكمله، ذلك المنجز الذي تفتخر به دول الخليج تماما كما تفتخر بمنجزها السياسي والاقتصادي؟ كيف تستعد دول الخليج لمواجهة المستقبل متكاتفة للذود عن وحدتها الاجتماعية التي ميزتها عن باقي الشعوب والمجتمعات؟

 

لم تكن السنوات الأخيرة سنوات سهلة على مجتمعات الخليج. فما ان بدأت التعافي من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية حتى جاءت الأزمات العربية المتلاحقة لتدفع بدول الخليج إلى واجهة الأحداث.

 

فهي الدول التي قدر لها بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي ومركزها المالي والاقتصادي ودورها الديني والحضاري والقومي بل والأدبي أيضا أن تلعب دورا بارزا في لم الشمل العربي وإعادة الاستقرار والنظام إلى المنطقة وإحقاق الحق خاصة بالنسبة للشعوب المتضررة.

 

هذا الدور الذي لم تكن دول الخليج لتلعبه لولا وجودها كقوة موحدة تحت لواء مجلس التعاون الخليجي. إذاً لقد أثبتت الأزمات العربية مدى أهمية وجود هذه المنظومة التي يمثلها المجلس ومدى أهميته ليس فقط في العمل الخليجي المشترك ولكن العمل العربي.

 

الأزمات العربية أكدت مجددا أن الخليج وحدة واحدة سياسية واقتصادية واجتماعية. فعلى الرغم من أن الأزمات العربية قد رمت بظلالها بقوة على الخليج إلا أنها أظهرته كقوة موحدة كما أكدت تماسك نسيجه الداخلي، وأظهرته كقوة معتدلة تهدف لتحقيق الأمن والاستقرار وإحلال النظام في محيطه العربي .

 

. وعلى الرغم من كل محاولات النيل من تلك الوحدة إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل، الأمر الذي أدى ليس فقط إلى تقوية المجلس بل على أن دول الخليج العربي هي نسيج اجتماعي وسياسي واحد على اختلاف أطيافه وألوانه.

 

لقد مرت مجتمعات الخليج في أعقاب الأزمات العربية في فترة عصيبة فيها مراجعة للذات، وفيها نوع من التصميم على حماية المنجز الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فهذا المنجز هو الشهادة الأكيدة على نجاح دول الخليج خلال فترة الأربعة عقود الماضية على تحقيق الأهداف التي وضعها مجلس التعاون لنفسه عند إعلان قيام المجلس من أبوظبي في مايو 1981.