هناك من لا يزال حتى هذه اللحظة يشكك في مقتل ابن لادن رغم نعيه رسمياً من قبل نظام القاعدة وطالبان. وهناك من يقر بموته، غير أنه يرفض نظرية رمي جثته في بحر العرب.

 

ويرى آخرون بأنه ليس من المعقول أن (تتخلص) الولايات المتحدة الأميركية من شخصية رجل بوزن أسامة بن لادن تطارده منذ عقد من الزمان دون جدوى، والذي دوخها ودوخ العالم نتيجة لذلك منذ أكثر من عشر سنوات، بعد أن كلف خزائن العالم غالياً. فهل يعقل أن يتم التخلص منه بهذه السهولة؟

 

ابن لادن تحول في أذهان العالم إلى ما يشبه الكائنات التي تأتي من الفضاء الخارجي. وهو شخصية مهما اختلفنا عليها، تظل مدهشة ومرعبة بكل المقاييس. فهل يعقل أن تتركه أميركا يذوب في البحر كذرة ملح؟

 

لذا نحن لا نستبعد أحد أمرين: أنه إما أن يكون قد قبض عليه، خاصة وأنه باعتراف الجيش الأميركي لم يقاوم، وبالتالي تم نقله إلى الولايات المتحدة للتحقيق معه في أماكن سرية للغاية، وإما أنه قتل بالفعل، وتم نقل جثته إلى هناك، لفحصها ودراستها كما يحدث عادة للكائنات الغريبة. وإن الجثة التي ألقيت في البحر ما هي إلا مجرد جثة رجل آخر لإيهام العالم بأنه قد تم التخلص منه نهائيا. ويغلق ملف القضية.

 

وفي كلا الحالتين، يظل هذا الرجل شخصية أسطورية. وكان بإمكانه من خلال ما كان يملكه من المليارات المودعة في بنوك سويسرا ونيويورك أن يعيش كأي ملك من ملوك العالم الأثرياء، يملك يخوتاً، وعقارات بأحواض سباحة، ويقيم الحفلات الليلية الصاخبة، ولا يدعو إليها إلا رجال الأعمال والأغنياء وكبار الأعيان، ويرمي ببقايا الطعام إلى القطط (بينما نصف الشعب المسلم يتضور جوعاً)، ويلبس أجود الماركات الفرنسية والإيطالية،.

 

ولا ينام إلا على ريش النعام وأغطية الحرير، ولا يركب إلا السيارات التي تصنع خصيصاً له بمواصفات عالية مقاعدها من جلود الحيوانات ومقودها من الماس، ولا يمشي في شوارع العامة من البشر، ولا يزوج ابنه إلا من بنات الحسب والنسب... إلخ. إلا أنه فعل العكس تماماً من كل ذلك.

 

فإذا به لا يسكن إلا في كهوف الجبال، ولا يلبس إلا ما يستره من البرد، ولا يأكل إلا ما توفره له حياة القفار، ولا يركب ربما إلا البغال والجمال، ولا ينام إلا على الأرض الصلبة، ولم يطلب ملكاً ولا زعامة دنيوية ولا رئاسة جمهورية، .

 

ولم يسرق المليارات من الدولارات التي أخذت بغير حق مشروع من جيوب المواطنين المقهورين، ولا يملك الأراضي الشاسعة التي استولى عليها بثمن بخس، ولم يبع مصادر بلده إلى عدو عقيدته وشعبه، ولم يساوم بغية النفاذ بجلده من الموت، ولم يصر على قتل شعبه بغية التمسك بكرسي الرئاسة.

 

. وعندما قبض عليه لم يجدوا في غرفته سوى بعض كتب الدين، وثياباً بالية، وسريراً متهالكاً رخيصاً، وسجادة صلاة، حتى شك الجنود في أن يكون ساكن هذه الغرفة رجل بوزن وثراء ابن لادن.

 

فذهبوا يبحثون عنه في غرفة أخرى. وبرأيي أنهم ربما شكوا في كونه ابن لادن، واختلطت عليهم الأمور، واعتقدوا بأنه أحد حراسه، فقتلوه غير مصدقين أنهم قضوا على الرجل الوحيد الذي تجرأ على ضرب الولايات المتحدة الأميركية في عقر دارها. وبالفعل، حتى الاتحاد السوفييتي سابقاً، بكل قوته وسلطته، لم يكن يتجرأ قط على ضرب حتى فأرة أميركية.

 

لكن ما أساء إلى ابن لادن في النهاية هو أسلوب العنف الذي تبناه ضد أبناء قومه، وكأنهم كفرة ومشركين، لاختلافهم معه في الرأي والطريقة والمذهب. ولو أنه ركز ضرباته على أعداء الإسلام، لأصبح اليوم واحداً من أبرز الشخصيات الإسلامية التي ستدرس في مناهج المدارس والمعاهد والجامعات كنموذج نادر لمقاومة أعداء الأمة.

 

هناك أبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ ممن سقطوا ضحية العنف والكراهية في كل مكان من العالم من المسلمين والمسيحيين واليهود ممن لا يملكون حيلة ولا قوة.

 

صحيح أن أعين أميركا لا تبصر إلا ضحاياها من المدنيين، كما تفعل إسرائيل التي تربت على يديها، ولا ترى ضحايا المسلمين والعرب من بين المدنيين والأبرياء الذين سقطوا جراء حروبهم العشوائية التي شنوها، سواء في أفغانستان أو العراق أو فلسطين أو جنوب لبنان، .

 

حيث سويت قرى بكاملها بمن فيها، ودكت حتى الملاجئ والمستشفيات التي يفترض أن تكون آمنة بموجب الأعراف والقوانين الدولية، ولم يجرؤ أحد أن يعترض أو يناقش أو يحتج على أي من هاتين الدولتين.

 

. ولكن عندما يتعلق الموضوع بمن يسقط تحت ضربات القاعدة من المدنيين أو نتيجة عمليات الفلسطينيين الاستشهادية في أراضيهم في إطار الدفاع المشروع عن حقهم المهضوم، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتقام الصلاة ويعلن الحداد في كل سنة تخليدا لذكراهم، غير أن ضحايا المسلمين يتم التعامل معهم وكأنهم دون قيمة البشر، بل يقتلون وترمى بجثثهم من الطائرات الحربية إلى أعماق المحيطات، دون أي احترام لمشاعر المسلمين.

 

وكأن التاريخ يعيد سيرة عمر المختار في تعامل الغرب مع أبناء هذه الأمة. ترى كيف سمح القضاء الأميركي النزيه بإخلاء سبيل المئات من جنود الجيش الأميركي ممن قاموا بتصفية مئات الأفراد من عائلات عراقية دون مبرر ولا دفاعاً عن النفس؟!،

 

وكذلك في أفغانستان، وكذلك فعل الجنود الإسرائيليون في مذابح صبرا وشاتيلا وقانا وغيرها، ولم يحاسبهم أحد! لماذا لا تتم محاكمة المسؤولين عن هذه المذابح المدنية كما تمت محاسبة وملاحقة ابن لادن بنفس ميزان العدالة القانونية؟

 

لقد استهزأ الكثيرون ممن شاهدوا مظاهر الاحتفالات والرقص في شوارع المدن الأميركية عند إعلان الرئيس أوباما خبر مقتل أسامة بن لادن على يد القوات الأميركية. فهل يعتبر انتصارا أن يحارب جيش بأساطيله وطائراته وصواريخه وأقماره الصناعية وجيوشه التي تعد بالملايين رجلا واحدا دوخ العالم على مدى عشر سنوات، ثم يقتله وهو طريح الفراش، وأعزل من السلاح؟!

 

لا أحد يستطيع أن يدافع عن صنائع تنظيم القاعدة في كل مكان من قتل الأبرياء أيا كان دينهم وأيا كانت ملتهم ومذهبهم، ولكن الكل يقر بأن ابن لادن وتنظيمه ما جاءا إلى الوجود سوى من رحم الطمع الغربي وانعدام العدالة والإنسانية.

 

بالتأكيد أن ابن لادن لم يمت، فقد خلف وراءه في كل بقعة مئات التنظيمات التي ستنتقم له، والأبرياء سيدفعون الثمن.. وللحديث بقية.