لا أحد يستطيع تجاهل حقيقة أن للولايات المتحدة إصبعاً كبيرة في مسارات معظم القضايا الدولية، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية توسعت وتشعبت كثيراً أطر مصالحها وامتداداتها، وأصبحت الدولة الأكثر تدخلاً في شؤون غيرها.

وقد تعزز هذا الاتجاه كثيراً مع نهاية الحرب الباردة، فقد شهدناها مرارا وتكرارا تعمد، على وجه السرعة، إلى تحشيد قوة عسكرية لإرسالها إلى أحد أماكن الأزمات، على بعد آلاف الكيلومترات عن أراضيها؛ في أوروبا أو آسيا أو إفريقيا أو أميركا اللاتينية، ناهيك عما يجري خلف الكواليس في القنوات الدبلوماسية السرية، التي تديمها مع الآخرين، من لي للأذرع وكسر للإرادات.

ولم تتردد الإدارة الأميركية، جمهورية كانت أم ديمقراطية، في التضحية بحياة مدنيين أو عسكريين، من مواطنيها أو من غيرهم، ثمناً لتدخلها العسكري متى ما اقتنعت بأن هذا التدخل يخدم أهدافها الآنية أو المستقبلية.

. كما أصبح التضخم في الميزانيات المالية المخصصة لتوفير المستلزمات اللوجستية لهذه التدخلات، أمراً مقبولاً لدى فئات واسعة من الشعب الأميركي، لأن الدوافع والمبررات التي تعكسها الإدارة الأميركية لمواطنيها، تأخذ طابعاً لا يتعارض مع الثقافة السائدة في المجتمع الأميركي، بل بالأحرى تداعب أحلامه.

فقد حرصت الإدارات الأميركية المتعاقبة خلال معظم التاريخ الأميركي، على صبغ تدخلاتها بألوان براقة، وحرصت كذلك على إضفاء نكهة أيديولوجية عليها، وذلك لإخفاء أهدافها الحقيقية. وعلى أية حال فإن عرض قضية بنكهة المبادئ والمثل العليا، أكثر قبولاً لدى الرأي العام من عرضها بنكهة المصالح والغايات.

يلجأ الرؤساء الأميركيون عادة إلى لبس مسوح الرسل والمبشرين بالقيم العظيمة، والتظاهر بأن سياساتهم تنبع من فلسفة وأيديولوجية ذات طابع إنساني .

. فالرئيس جون كنيدي ذكر في خطاب تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، «إنني سأدفع أي ثمن وأتحمل كل المخاطر لضمان ديمومة وسلامة الحرية». أما الرئيس جورج بوش (الابن) صاحب الأجندة التي تدخل الحرية كأبرز مكونات طهيها، فقد تجاوز غيره بمراحل في التأكيد على حبه للحرية ورغبته في تعميم نعمتها على الآخرين.

ففي خطابه الذي لم يستغرق أكثر من عشرين دقيقة، عند إعادة تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة لفترة رئاسية ثانية، ذكر كلمة الحرية تسعا وأربعين مرة، لتبرير حملته المثيرة للجدل لغزو العراق، بعد أن تهافتت الأسباب الأخرى التي تذرع بها مسبقاً لتبرير الغزو.

يحتل مفهوم «الحرية» موقع الصدارة في الفكر الغربي الحديث، وبالأخص في الولايات المتحدة، لأن الرواد الأوائل الذين وضعوا لبنات الاتحاد بين الولايات الأميركية، وضعوا نصب أعينهم هذا المفهوم واعتبروا الإيمان به وممارسته على أوسع الصعد، أبرز الأسس لبناء المجتمع الاتحادي. والحقيقة أن تجذر هذا المفهوم في الفكر الغربي، يعود إلى أن المفاهيم الأخرى التي تتعلق بحقوق الإنسان، مثل العدل والمساواة وحق الاختيار، استمدت شرعيتها ومصداقيتها من مفهوم الحرية.

«الحرية» تعني الكثير في ثقافة المواطن الأميركي وحياته المجتمعية، وطرائق مقارباته للقضايا الدولية، وهو لا يتفهمها بالطريقة التي يتعامل بها السياسي المحترف، الذي يرى فيها مفتاحاً من مفاتيح القوة ومدخلاً يضفي الشرعية على قراراته.

ورغم النبل الظاهر في أجندة رؤساء الولايات المتحدة، إلا أن ترجمتها على أرض الواقع لم تكن بمستوى النبل نفسه، في أكثر من مكان وفي أكثر من زمن، فقد قاد ذلك إلى كوارث ألحقتها الولايات المتحدة بنفسها وبغيرها، فاحتلال أفغانستان أولاً ثم احتلال العراق ثانياً، مثالان حيان عن ذلك في العصر الحديث.

ولا نريد الخوض فيما أحدثته تدخلاتها تحت شعار الحرية في أميركا اللاتينية وفي فيتنام وفي غيرها، من مآسٍ وآلام لم يكن الشعب الأميركي نفسه بمنجاة منها، في عهد رؤساء آخرين.

فمنذ عام 2001 وظفت الولايات المتحدة ما قيمته تريليون ومائتان وستون مليار دولار، في المصروفات الحربية في أفغانستان والعراق، وسقط أكثر من أربعة آلاف جندي من جنودها صرعى، وأضعاف هذا العدد من الأفغانيين والعراقيين، ولا يزال التعافي من تداعيات هاتين الحربين بعيد المنال.

شنت الولايات المتحدة هاتين الحربين بحجة جعل العالم أكثر أمناً وأكثر استقراراً، .

فالبحث عن أسلحة التدمير الشامل وتحطيمها والقبض على الجماعات الإرهابية وتحرير الأناس المقموعين، هو الدافع وهو الهدف، وهذه ادعاءات تقبلها وصدقها الكثير من الأميركيين والغربيين عموماً، لأنها تتفق مع تطلعاتهم. إلا أن فحصاً دقيقا للحقائق لا يكشف عن صحة ذلك، بل يدحضه، فهناك أناس يرزحون تحت القمع لأسباب عديدة

: قومية ودينية ومذهبية وطبقية وغيرها، في أماكن عديدة من العالم، لا تعرف معنى للحرية والمساواة، فلماذا حرصت الولايات المتحدة على تصدير مفاهيمها عن الحرية لبلدان محدودة وفي مناطق خاصة من العالم؟ أسئلة من هذا النوع تحاصر المصداقية الأميركية وتحرجها.

مؤخراً، وبالتحديد منذ بضعة أشهر فقط، بدأت الولايات المتحدة، وبحذر شديد، مقاربة ما يجري في الشمال الإفريقي الذي انقلب من الركود والصمت الطويل إلى هياج جامح، بمواقف جديدة تدعو للتأمل والدراسة، فقد بدأت بالتخلي عن إسناد حلفائها التقليديين.

فالنظام المصري السابق أحد أبرز حلفائها منذ توقيعه على معاهدة كامب ديفيد عام 1979 مع إسرائيل، وأحد أهم مفاتيح الاستقرار في الشمال الإفريقي والشرق الأوسط، قد تهاوى في بحر ثلاثة أسابيع تحت الضغط الشعبي، في الوقت الذي وقفت فيه الولايات المتحدة موقف المتفرج أولاً، ثم موقف المحبذ لتهاويه أخيراً.

. فقد حرص الرئيس الأميركي أوباما، في البداية، على أن لا يكون في خطابه أو إشاراته ما يشي برغبة الولايات المتحدة في رحيل الرئيس المصري، على الرغم من أنه أشار إلى أن بقاء نظام مبارك لا يتفق مع ما يتطلع إليه الشعب المصري من حرية.

«الحرية» أيضا على رأس أجندة الرئيس أوباما، إلا أنه من السابق لأوانه الحكم بأن الولايات المتحدة في طريقها إلى إجراء تغيير في جوهر سياساتها، لردم الفجوة بين المبادئ التي تنادي بها من جهة، وبين ما يحدث على أرض الواقع بسبب سياساتها من أفعال ونتائج، من جهة أخرى.

كاتب عراقي