دعيت إلى حفلة شاي للاحتفاء بأديب هندي كبير، جاء لزيارة القاهرة. وتطرق الحديث من الكلام عن الهند إلى الكلام عن مصر، ثم عن الهند.. وهكذا. كان الأديب الهندي يتكلم بحماس شديد عن النجاح الاقتصادي الذي حققته الهند في العشرين سنة الأخيرة، وقال إن نقطة التحول كانت في مطلع التسعينات، حينما قررت الهند أن تطلق الحرية الاقتصادية للمستثمرين في الداخل والخارج على السواء، وحرية السوق في تحديد الأسعار دون تدخل من الدولة. قال إن النجاح لم يقتصر على الارتفاع الكبير في معدل نمو الناتج القومي، بل نجحت الهند أيضاً في رفع عدة مئات من الملايين من الهنود من تحت خط الفقر إلى ما فوق هذا الخط، ومن ثم نمت الطبقة الوسطى في الهند نمواً سريعاً خلال هذين العقدين، وأصبحت تتمتع بطيبات الحياة والسلع الاستهلاكية التي كان معظم الهنود محرومين منها، ولم يكن لديهم أي أمل في أن يحصلوا عليها، لا هم ولا أولادهم، في يوم من الأيام.
لم يكن هذا الثناء على تجربة الهند جديداً عليّ، فالصحف والمجلات الغربية والمؤسسات الدولية دائمة الإشادة بها، وكثيراً ما تعقد المقارنة بين فشل معظم البلاد العربية في تحقيق التنمية الاقتصادية السريعة، وتخفيف الفقر، وبين نجاح الهند في الأمرين. وقد رأيت أيضاً دليلاً على ذلك في بعض الأفلام الهندية الحديثة، التي تصوّر ما طرأ على حياة الطبقة المتوسطة الهندية من تغيرات مذهلة خلال العقود الأخيرة، ليس فقط من حيث اتساع نطاق هذه الطبقة نتيجة لارتفاع معدل الحراك الاجتماعي، أي صعود الكثيرين من أصحاب الدخل المحدود إلى شرائح الدخل الأعلى، ولكن أيضاً من حيث تغير نمط حياة هذه الطبقة واعتمادها على بعض أنواع السلوك المعروفة في الغرب، ولم تكن مألوفة في الهند.
لا أحد بالطبع يكره أن تحقق دولة نمواً سريعاً في الناتج القومي، ناهيك عن انتشال مئات الملايين من الفقراء وضمهم إلى صفوف الطبقة الوسطى، وإتاحة كثير من طيبات الحياة لمن كانوا محرومين منها. ولكني أصارح القارئ بأني منذ بدأت أسمع عن هذا النجاح العظيم الذي تحققه الهند، كان يطوف بذهني من حين لآخر شك في ما إذا كان هذا النجاح يشوبه عيب مهم لا بد أنه يقلق أيضاً الكثيرين من الهنود، وإن لم أصادف أي إشارة إليه في ما قرأت عن الهند في صحف الغرب.
قلت للكاتب الهندي الكبير: «ألا يشعر الهنود بالقلق لما كان يقلق رجلاً مثل غاندي أو نهرو منذ ستين أو سبعين عاماً؟».
كنت أقصد مشكلة «التغريب». كان غاندي ونهرو (هذان الزعيمان الهنديان العظيمان) تقلقهما بالطبع مشكلة الفقر، وعجز معظم الهنود عن إشباع حاجات مادية أساسية، ولكنهما كانا أيضاً يعرفان جيداً أن الحاجات الروحية لأي شعب (بما في ذلك حاجته إلى التعبير عن نفسه بطريقته الخاصة، وحماية ثقافته من أي اعتداء من ثقافات أخرى ليست بالضرورة أفضل منها، وإن كانت مدعومة بالسلاح والمال)، ليست أقل أهمية، بل قد تفوق في أهميتها أي تقدم مادي. لم يكن غاندي أو نهرو يرفضان التنمية الاقتصادية، ولكنهما كانا يرفضان أن يكون ثمن هذا التقدم خسارة روحية، أي أن يكسب الهندي العالم ويخسر روحه.
لم أجد من اللائق، في جلسة تعارف كهذه، أن أفتح موضوع «تغريب» الهند، وما كان يمكن لرجل مثل غاندي أو نهرو أن يشعر به، إزاء ما يقترن به هذا التقدم الاقتصادي السريع في الهند من خسارة ثقافية، بل اكتفيت بأن قلت للكاتب الهندي، على سبيل المداعبة، إن اقتصادياً أميركياً شهيراً (هو جون كينيث جالبريث) كتب مرة أنه أثناء عمله سفيراً لبلاده في الهند، قابل الزعيم الهندي نهرو، وكان وقتها رئيساً للوزراء، وجرى حوار بينهما حول موقف الهند من الحضارة الغربية، وأن نهرو قال له أثناء هذا الحوار، قولاً يتراوح بين الجد والمزاح، وهو، إن الشيئين الوحيدين اللذين اقتبستهما الهند من الغرب ولم يحدثا أي ضرر بها، هما «اللمبة الكهربائية والدراجة»!
كان من الواضح لي أن الكاتب الهندي لا يشارك نهرو شكوكه في الحضارة الغربية، فقد بدا لي وكأنه يقبل كل شيء يمكن أن تقتبسه الهند من الغرب، ولم يبد منه أي تحفظ على انتشار ثقافة الاستهلاك ولا على تبني الهند لنظام السوق الحرة. بل قال لي إنه يعتبر نهرو مسؤولاً عن تعطيل تقدم الهند لمدة عشرين عاماً. ذكر في كلامه أيضاً قصة طريفة عن نهرو، لم أكن سمعتها من قبل. قال إن نهرو تلقى مرة دعوة من الرئيس الأميركي لزيارة الولايات المتحدة، ورتب له لقاء مع رؤساء بعض الشركات الأميركية الكبرى، على أمل أن يشجع هذا اللقاء على مزيد من الاستثمارات الأميركية في الهند. ولكن فوجئ الجميع بأن نهرو التزم الصمت طوال اللقاء، فلم يصدر منه أي كلام ينطوي على تشجيع لقدوم رؤوس الأموال الأميركية إلى الهند. فوجّه إليه أحد المدعوين سؤالاً عن سبب صمته، فإذا بنهرو يجيب بقوله «لقد كنت أظن أن كلمة «الربح» من الكلمات النابية التي لا يصح أن تصدر من أحد أثناء تناول الطعام»!
لا أعرف ما إذا كانت هذه القصة حقيقية، وما إذا كان نهرو قد قال هذه الجملة بالضبط أم جرى بعض التحريف عليها، ولكني أظن أن المعروف عن شخصية نهرو وأفكاره، يجعل من المتصور أن تصدر عنه جملة كهذه، ولو على سبيل المزج (مرة أخرى) بين الجد والمزاح.
لم يكن لا نهرو ولا غاندي يشعر بأي عداء للغرب، ولا كانا ضد التلاقح بين ثقافات العالم المختلفة، ولكنهما كانا بلا شك يشعران بالخطر الكامن في فتح أبواب بلد ضعيف اقتصادياً، وإن كان صاحب ثقافة عظيمة، أمام بلاد قوية اقتصادياً ومدعمة بالسلاح، بلا أي ضابط يحمي هذه الثقافة.
أظن أن هذا الخطر قد أصبح حقيقة واقعة في الهند، بسبب تطور السياسة الاقتصادية على النحو الذي شهدته الهند في العشرين سنة الماضية، وهو ما أعتقد أنه ينطوي على درس مهم لبلاد أخرى في العالم، لم تنفتح إلى هذا الحد بعد على الاقتصاد الدولي، ومنها كثير من البلاد العربية.