بعد التوقيع النهائي على المصالحة الفلسطينية في القاهرة، في الرابع من مايو 2011، ومظاهرات الابتهاج في الضفة الغربية وقطاع غزة ومراكز تجمع الفلسطينيين في العالم، طرحت أسئلة كبيرة حول آفاق الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المرحلة المقبلة. فالحدث تاريخي بكل معنى الكلمة، لكن طرفي النزاع ينظرون إليه من زوايا متقابلة:

1- يأمل الجانب الفلسطيني أن يثمر الاتفاق عن توحيد الموقف الفلسطيني من جهة، وتحويله إلى محطة مفصلية في إعادة ترتيب الاستراتيجية العربية مجدداً، ضد المشروع الاستيطاني الصهيوني و«دولة يهود العالم» من جهة ثانية، وتوظيفه في معركة شرسة تخوضها الدول العربية والإسلامية والمناصرة لإقامة الدولة الفلسطينية، بموجب قرار يصدر عن الأمم المتحدة في سبتمبر 2011 من جهة ثالثة. وذلك يتطلب تغييراً بنيوياً في الذهنية الفلسطينية والعربية تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط. فعلى غرار ما قام به الفيتناميون وغيرهم من قادة الثورات الناجحة، لا بد من حمل البندقية بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى، فالشعاران متداخلان جنباً إلى جنب. ولا نفع من قرار لبناء دولة مستقلة غير قابلة للحياة، ولا تحميها سواعد أبنائها والقوى المناصرة لها على المستويين الإقليمي والدولي.

2- فور الإعلان عن قرار المصالحة، بدأت إسرائيل العمل على إفشاله بكل الوسائل المتاحة لديها، وهي كبيرة جداً. فحجبت أموال الفلسطينيين التي تجبى من ضرائبهم، في عملية قرصنة مالية واضحة لتحريض الشعب الفلسطيني على قيادته. وبدأت الرهان على ضرب الوحدة الفلسطينية، لإفشال اتفاق المصالحة وتحويله إلى ورقة صفراء فاقدة الصلاحية. وأطلقت حملة دولية شرسة لتحريض الرأي العام الأوروبي والأميركي، ودفع الدول المساندة لها لمعاقبة الفلسطينيين ومنع مساعداتها عنهم. ودعت الاتحاد الأوروبي إلى وقف تمويل السلطة الفلسطينية، وحجب المساعدات المالية والعينية والتقنية عنها، ما لم تجبر حركة «حماس» على الاعتراف بدولة إسرائيل، ونبذها لكل أشكال العنف التي تمارسها ضد الدولة اليهودية، كشرط أساسي لقبول مشاركتها في حكومة الوحدة الفلسطينية المزمع تشكيلها قريباً.

لقد وصف قادة إسرائيل اتفاق القاهرة بأنه «ضربة قاسية لعملية السلام ونصر عظيم للإرهاب». وغمزوا من قناة مصر التي رعت المصالحة، حين أعلنوا صراحة أن اتفاق القاهرة يضر بفرص التسوية والتوصل إلى سلام شامل في الشرق الأوسط. فمفهوم إسرائيل للسلام يعني، بالدرجة الأولى، نزع سلاح المقاومة الفلسطينية. وهذا ما عبر عنه رئيس وزراء إسرائيل بوضوح قاطع أمام وسائل الإعلام الغربية، حين قال: «السبيل الوحيد لتحقيق السلام هو وجود جيران لنا يريدون السلام معنا. أما الذين يريدون القضاء علينا، ويمارسون الإرهاب ضدنا، فهم ليسوا شركاء سلام». هكذا دخل الفلسطينيون بعد الاحتفال الكبير بالتوقيع النهائي على وثيقة المصالحة والوفاق الوطني، مرحلة اختبار حقيقي لإنهاء الانقسام الداخلي على أرض الواقع، وإقامة توافق فلسطيني شامل يحمي الوحدة الفلسطينية ويمنع تجدد النزاعات بصورة أكثر ضراوة.

فتاريخ فلسطين حافل باتفاقيات المصالحة التي وقعت سابقا بين حركتي «فتح» و«حماس»، ثم جرى الالتفاف عليها بسرعة. فانتكست بعد فترة قصيرة، لتعود النزاعات الدموية لتنفجر مجدداً على الساحة الفلسطينية، بسبب تباعد الرؤى المستقبلية بين الجانبين. طرح اتفاق القاهرة أسئلة بديهية حول طبيعة الاتفاق، والأهداف المتوخاة منه. وهي تبدأ بالتساؤل الكبير: لماذا فشلت المصالحة طوال المرحلة السابقة؟ ولماذا نجحت بهذه السرعة مؤخراً؟ وهل أن القيادة الفلسطينية التي استفادت فعلاً من تغير الموقف الرسمي المصري لتوقيع الاتفاق التاريخي، قادرة على التقاط اللحظة التاريخية لجني نتائج إيجابية منه؟

لقد انتقلت مصر عملياً من موقع الاعتدال العربي إلى موقع جديد أزعج إسرائيل كثيراً، دون أن تبدو مصر في موقع العداء لها، نظراً لكثافة الضغوط الداخلية والعربية والدولية التي تمارس عليها. والموقف الفلسطيني الموحد يعزز موقف القيادة المصرية الجديدة، التي انحازت إلى جانب القضية الفلسطينية، وتبدي استعدادها لخوض معركة السلام الدائم والعادل والشامل في الشرق الأوسط، بالطرق الدبلوماسية. وهي معركة صعبة جداً، وتتطلب توحيد الموقف الفلسطيني والعربي والإسلامي، لإلزام إسرائيل بالعودة إلى مفاوضات السلام، وتقديم تنازلات متبادلة، وليس لتحقيق مكاسب إضافية على حساب الفلسطينيين والاستفادة من التناقضات المستمرة في ما بينهم.

فآفاق التسوية للصراع العربي/ الصهيوني ممكنة في حال وافقت إسرائيل على تنفيذ القرارات الدولية، والانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد العام 1967، والاعتراف بالحقوق الأساسية المشروعة للشعب الفلسطيني، خاصة حق العودة إلى وطنه، وإقامة دولته المستقلة عليها، ووقف تهويد القدس وباقي أراضي فلسطين. بيد أن الأسئلة التي تبلورت بعد كلمات حفل التوقيع، الذي تأخر لساعتين بسبب خلاف «بروتوكولي» بين قوى لم تتحول بعد إلى دولة معترف بها ولديها تقاليد بروتوكولية تعطي أولويات لقياداتها السياسية، أثارت قلقاً كبيراً. فالمسألة تتعدى في جوهرها الخلاف على البروتوكول، لتبرز خلافاً على الرهانات المستقبلية التي أعقبت التوقيع على اتفاق القاهرة.

أولاً: ما زالت قوى فلسطينية تراهن فقط على «النضال الدبلوماسي والتحركات الشعبية المطلبية»، بعد تخليها عن أسلوب الكفاح المسلح كوسيلة ناجعة لتحرير فلسطين وبناء الدولة الفلسطينية.

ثانياً: ما زالت قوى أخرى تراهن على الكفاح المسلح، لكنها أبدت استعداداً للسير مرحلياً في النضال الدبلوماسي والكفاح المسلح معاً. فساهمت في إنجاز المصالحة الفلسطينية، من خلال التركيز على أن من واجب الفلسطينيين حمل السلاح فقط ضد المحتل الإسرائيلي، على أن يصبح استخدامه محرماً في ما بينهم. وذلك يتطلب طي صفحة الانقسام الدموي نهائياً، للانخراط في بناء المشروع الوطني الموحد، وترتيب البيت الداخلي، وإيجاد سلطة شرعية منتخبة ديمقراطياً لتشكل مرجعية وطنية لجميع الفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطين الحرة وذات السيادة الكاملة على الضفة والقطاع، دون التنازل عن شبر واحد منهما ولا عن حق العودة. ختاماً، لقد استفادت أطراف المصالحة من مناخ الثقة والعلاقة الجيدة مع الثورة المصرية والنظام الجديد في مصر. وهم يأملون فتح معبر رفح، ويراهنون على أن القيادة المصرية الجديدة تتبنى سياسة الابتعاد التدريجي عن إسرائيل، والانحياز مجدداً إلى القضية الفلسطينية. لكن ذلك الرهان لا يبرر تغييب الخيارات الاستراتيجية في كيفية التعاطي الموحد مع الاحتلال الإسرائيلي.

ويبقى السؤال الأساسي قيد التداول حول خارطة الطريق للنضال الفلسطيني بعد اتفاق المصالحة: من يرسم الاستراتيجية الوطنية المشتركة لعملية الدمج العقلاني بين النضال السياسي والدبلوماسي، ضد الاحتلال الإسرائيلي في إطار حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية؟