لماذا يعزف الجمهور عن حضور الأنشطة الثقافية؟ هذا هو السؤال الذي طرحته الأمسية الثقافية التي أقيمت الأسبوع الماضي في ندوة الثقافة والعلوم في دبي.
وقد اجتهد الحضور، الذين كان عددهم يبرر طرح سؤال كهذا، في محاولة رصد الأسباب التي أدت إلى هذا العزوف، وكانت الحصيلة أسبابا ربما تبدو منطقية في نظر الذين كانوا يحضرون تلك الأمسية، إذا ما وضعنا في الاعتبار أنهم يمثلون جيلا متماثلا تقريبا، من حيث السن والنشأة والتكوين العلمي والثقافي الذي يعود إلى مرحلة إرهاصات قيام دولة الإمارات وبداياتها الأولى، أو قريبا منها.
السؤال الذي لم يُطرَح خلال الأمسية هو: من نقصد بالجمهور الذي نتوقع أو نتطلع إلى حضوره هذه الأنشطة؟ هل هو الجيل الذي يناقش هذه القضية، أم هو الجيل الجديد الذي تفتحت مداركه مع بداية الألفية الثالثة ولم يعش ما قبل هذا الزمن؟
إذا كان المقصود بالجمهور المتوقع إقباله على هذه الأنشطة هو الجيل الذي يناقش هذه القضية، فعلينا أن لا ننتظر أكثر من هذا العدد الذي هو مرشح للتناقص، شئنا هذا أم أبينا؛ لأنه جيل نشأ على نمط تجاوزه الزمن، كما تجاوزته طبيعة العصر وأنماط التواصل، التي لم تعد كما نشأ عليها وعرفها ومارسها هذا الجيل على مدى عقود من الزمن تقارب الخمسين.
أما إذا كان المقصود بهذا الجمهور هو جيل الألفية الثالثة الذي نعتب عليه لغيابه عن هذه الأنشطة، فعلينا أن لا نتوقع حضوره، وأن نغلق هذا الملف نهائيا؛ لأنه جيل تفتحت عيونه ومداركه على وسائل تواصل مختلفة، وفرتها له تقنية العصر الحديثة، ليس في هذا المجال الذي هو محل اهتمام حضور تلك الأمسية فقط.
وإنما في مجالات حيوية كثيرة، إلى الدرجة التي أصبح معها حتى التعليم متاحا دون التواصل المباشر مع من يقوم بتقديمه، في ما يطلق عليه «التعليم عن بعد» الذي بدأ من خلال بعض الجامعات الأوروبية والأميركية في أواخر السبعينات من القرن الماضي،.
وتطور مع أواخر الثمانينات من خلال الكوابل والقنوات التلفزيونية، ثم جاء الإنترنت فأدخل الفصول التفاعلية التي تسمح للمعلم أو المحاضر بأن يلقي دروسه مباشرة على آلاف الطلبة في مختلف أنحاء المعمورة، وتسمح للطلبة بالمشاركة والحوار والمداخلة، كاسرة بذلك حاجز الزمن، لاغية عامل الجغرافيا الذي كان يحول دون التواصل بين طرفي العملية التعليمية.
وإذا كان التعليم الذي هو العامل الأول والأساس في التكوين الثقافي، قد كسر حاجز المكان وألغى عامل الجغرافيا في عملية التواصل بفعل التقنية الحديثة المتقدمة، فليس مستغربا أن نرى هذا العزوف المتنامي لدى الجيل الجديد عن حضور الأنشطة الثقافية التقليدية، بعد أن أصبح هناك عالم افتراضي يتشارك فيه آلاف، بل ملايين الشباب، من أدنى المعمورة إلى أقصاها، عالم تشكل الثقافة جزءا من نسيجه، لكنها ثقافة تتفق مع تلك التي كان يتحدث عنها المجتمعون في تلك الأمسية في الاسم فقط،.
وتختلف عنها في المضمون والوسيلة؛ لأنها تأخذ أبعادا تتلاءم مع قوانين العولمة التي فرضت نفسها على العصر ودخلت علينا دون استئذان، بحكم استخدامنا للوسائل الحديثة التي لم تغير فقط مفهوم النخب المتعارف عليه في عصر ما قبل الإنترنت.
بل جعلت هذه النخب تسعى إليها وتنضم إلى عالمها عبر المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي التي وسّعت دائرة الحوار بين الكُتّاب والأدباء والمفكرين، وبين من يكتبون لهم من قراء لم تعد تجمعهم منطقة جغرافية واحدة كما اعتاد جيل ما قبل الإنترنت الذي مازال يحمل هذا الحنين إلى ذلك العصر،.
ويجد نفسه مدفوعا، من حين إلى آخر، إلى طرح قضية عزوف الجمهور عن حضور الأنشطة الثقافية، كلما رأى عدد هذا الجمهور يتناقص من أمسية إلى أخرى، رغم ما تتميز به هذه الأمسيات من حميمية لا توفرها الوسائل الإلكترونية التي يتم التواصل عبرها من خلال لوحات مفاتيح أجهزة الحاسوب والهواتف على اختلاف أنواعها ومسمياتها ومستويات ذكائها.
هذا الواقع الذي نتحدث عنه لا ينتقص من مكانة الأنشطة الثقافية التي مازال لها جمهورها، مهما كانت محدودية عدد هذا الجمهور، ولا يقلل من أهميتها، لكنه واقع يدعونا إلى الخروج من دائرة الحزن التي تغلف أجواء المثقفين كلما ضمهم مجلس وطغت هذه القضية على نقاشاتهم، مدفوعين بالحنين إلى زمن كانت القاعات تكتظ فيه بالحضور، معترفين بأنه زمن كان يعج بالرموز التي غابت عن الساحة، وغاب معها الوهج الذي كانت تضفيه على تلك الأمسيات، كما غاب عنها الجمهور المميز الذي أصبحنا نفتقده.
غياب الرموز جزء من طبيعة الحياة التي نعيشها، ليس في مجال الثقافة فقط، وإنما في كل المجالات، التي منها السياسة على سبيل المثال. والدليل على هذا هو الثورات التي يشهدها العالم العربي، والتي يصفها البعض بأنها «ثورات بلا رؤوس» لافتقادها إلى القادة، على خلاف ما عرفته ثورات العالم عبر مسيرة التاريخ، الذي يبدو أنه يتبدل هو الآخر على نحو لم نعتده أيضا.
إنها ليست مرثية للزمن الذي يراه أولئك الذين يتمنون عودته جميلا، لكنها نظرة إلى الواقع الذي يجب أن نتعايش معه، وهو واقع له إيجابياته وسلبياته، مثلما هو كل شيء في الحياة التي لا يمكن أن تسير على وتيرة واحدة أو تعود إلى الوراء، مهما كان هذا الوراء جميلا وأثيرا، أو كان الحنين إليه طاغيا وكبيرا.