بعد مرور ثلاث من أربع سنوات هي مدة رئاسة أوباما الحالية، اضطر الرئيس الأميركي اضطراراً إلى أن يدافع عن نفسه وينشر شهادة ميلاده التي تثبت أنه أميركي!
فبمجرد أن تولى أوباما الرئاسة في يناير 2009، تشكلت حركات ومجموعات شتى تعاديه بالمطلق، قبل حتى أن يتخذ أي قرارات كبرى. وكانت من بين هذه الحركات مجموعة زعمت أن أوباما اختطف منصب الرئاسة بشكل غير دستوري، لأنه يفتقر إلى إحدى الخصائص التي نص عليها الدستور الأميركي، وهي أن يتمتع بالجنسية الأميركية، بينما أوباما ليس أميركياً، ومن ثم لا يحق له تولي الرئاسة!
وقد نشأت هذه الحركة صغيرة أول الأمر، وتجاهلها الكثيرون بسبب مزاعمها المتطرفة، إلا أنها ازدادت زخماً في أوساط اليمين المتطرف، الذي صارت أبواقه الإعلامية تروج لتلك المقولة بمنطق نظرية المؤامرة التي هي بالقطع «مؤامرة على أميركا»، من وجهة نظرهم. وازداد شحن الناس من خلال دور رموز هذا التيار، في برامجهم بمحطات الراديو والتلفزيون المختلفة.
وطوال تلك الفترة منذ توليه، تجاهل أوباما الموضوع برمته، ولم يشأ حتى أن يرد على تلك الأكاذيب أو يدافع عن نفسه. وربما كانت حساباته تقوم على أن تلك الأفكار تدور في أوساط متطرفة، سرعان ما ستتلاشى برفض الناس لها، بينما سيتيح لها اهتمام البيت الأبيض دعاية مجانية تساعد على استمرارها. إلا أن هذا التجاهل من جانب الرئيس، تم استغلاله لدعم نظرية المؤامرة. فقد راح أصحاب النظرية يقولون إن هذا التجاهل هو أكبر دليل على صحة ما يقولون، فلو أن الرئيس ولد فعلاً في أميركا لكان قد أظهر شهادة ميلاده وحرص على نشرها.
لكن الجديد في كل ذلك، هو أن الموضوع برمته خرج خلال الأسابيع الماضية إلى ما يتخطى إطار اليمين المتطرف، ليدخل في فضاءات أخرى مختلفة. فهو دخل معركة الرئاسة، وامتد للإعلام الذي يحظى بالمصداقية والاحترام. فعلى سبيل المثال، بعد أن أثبتت استطلاعات الرأي أن المليادير دونالد ترامب يتصدر المرشحين الجمهوريين للرئاسة من حيث الشعبية، صارت أقواله عن أوباما تحظى بتغطية إعلامية واسعة.
وقد كرر ترامب أكثر من مرة، حكاية أن أوباما ليس أميركياً، بل الأسوأ من ذلك أن بعض الصحف والمجلات عادت لتجنيد عدد من صحفييها لتقصى حقيقة تلك المسألة، بعد أن كانوا قد قاموا بذلك فعلا أثناء الحملة الانتخابية. فعلى سبيل المثال، نشرت سي إن إن على موقعها الإلكتروني الأسبوع الماضي، خبراً يحمل عنواناً يقول: «تحريات سي إن إن تؤكد أن أوباما أميركي»!
بعبارة أخرى، فإن ما كان يقوله اليمين المتطرف في دوائره المحدودة، صار الآن متداولاً على نطاق واسع، وهو ما اضطر أوباما لنشر شهادة ميلاده. والحقيقة أنه لا يمكن فصل تلك القصة عن المسألة العرقية في أميركا، إذ لم يكن من الممكن أن توجه اتهامات مماثلة لرئيس أبيض، وهي موجهة لأوباما لأنه من أصل إفريقي. فالجماعات التي عارضت أوباما قبل أن يبدأ عمله كرئيس، أغلبها تضم أولئك البيض الذين عجزوا حتى الآن، عن قبول حقيقة أن البيض سيمثلون أقلية في أميركا في غضون عقود قليلة. وأوباما الرئيس الأسود، يذكرهم كل يوم بتلك الحقيقة. ومن ثم فإن الهجوم الذي يتعرض له أوباما، يحوي الكثير من اللمحات العنصرية التي لا تخطئها العين. فرغم أن البعض تصور أن العنصرية انتهت بانتخاب أوباما، إلا أن العكس هو الصحيح، فهي ازدادت حدة بسبب توليه.
ومن هنا فإن نشر أوباما لشهادة ميلاده لن يكون نهاية المطاف، فسيظل الهجوم على الرئيس يحمل ملامح عنصرية مستترة، والأرجح أن يزداد ذلك النوع من الهجوم حدة أثناء حملة الرئاسة المقبلة. فالجمهوريون استخدموا دوماً الورقة العنصرية ضد المرشحين الديمقراطيين، فما بالك وأن الرئيس (الديمقراطي) هو نفسه من أصول إفريقية.
وقد بدأت بوادر ذلك فعلا في ما جاء على لسان ترامب نفسه، بعد أن انتهت قصة الجنسية. فهو ابتدع موضوعا جديدا، حين صرح بأنه يسعى لحل لغز جديد عن أوباما. فكيف لأوباما الطالب العادي غير المتفوق في المرحلة الثانوية، أن يلتحق بكبريات الجامعات الأميركية مثل هارفارد؟ والسؤال يحمل طبعا دلالة عنصرية. فبوش الابن الذي كان طالبا فاشلا، ثم دخل بعلاقات والده أفضل الجامعات، لم يسأله أحد أثناء حملتين انتخابيتين وثماني سنوات في الحكم، مثل هذا السؤال. فهذا النوع من الأسئلة لا يوجه إلا للأقليات، وبالذات السود. فهو يريد أن يقول للبيض إن أوباما لم يدخل الجامعة بتفوقه، وإنما من خلال برنامج العمل الإيجابي الذي بدأ في الستينات، وخصص بعض المقاعد في الجامعات لأبناء الأقليات التي حرمت طويلاً من الفرص المتساوية. وهذا البرنامج تعرض، منذ عهد ريغان، لهجوم ضار من اليمين الأميركي، حيث اتهم بأنه يمثل تمييزاً عكسيا ضد البيض، عبر حرمانهم مما يستحقون من فرص تذهب لمن هم أقل منهم كفاءة، على أساس عرقي أو إثني.
هذا الخطاب ليس جديدا ولا غريبا على المجتمع الأميركي، لكن الغريب في ظني كان الخطاب الذي ألقاه أوباما عشية نشر شهادة ميلاده. فالرسالة الرئيسية للخطاب، كانت أن لا وقت لدى الرئيس لمثل تلك المهاترات بعد اليوم، فهناك قضايا وطنية أهم منشغل بها الرئيس.
لكن أوباما في هذا الخطاب تحدث بلغة الغارق في تفاصيل العمل اليومي، وليس بلغة السياسي صاحب الكاريزما، الذي كان من الممكن أن يستخدم تلك الواقعة لإلقاء خطاب ملهم حول واقع العنصرية في بلاده.