الوطن العربي بشكله الحالي، حسب خريطة الجامعة العربية، ملوّن بالأقليات. هنالك أقليات عرقية ودينية ومذهبية، تعيش جنباً إلى جنب مع الأغلبية. لكل من هذه الأقليات في أماكن تواجدها، حضور يمكّنها من تكوين أغلبية ضيقة؛ يمكن أن يطلق عليها أغلبية محلية أو إقليمية.
تتواجد شتى الكانتونات في المدن أو المحافظات أو المقاطعات أو الجزر أو الولايات. إن تُعزل هذه وتُستهدف داخلياً وخارجياً، يمكن أن تشكل بؤرة توتر أو قلاقل. قد يؤدي بها الأمر إلى زعزعة استقرار الدولة، وتبعاً لذلك الإقليم والمنطقة والساحة العربية بأكملها.
تتمتع الأقليات في العالم العربي بنفس حقوق الأغلبية. في عدد من الدول، هنالك أقليات حصلت على امتيازات تفوق ما تتمتع به الأكثرية العددية. الأسباب كثيرة، منها احترام الخصوصية الثقافية الفكرية العقائدية، والدعم الخارجي الخاص لها. الإنسان العربي العادي معروف بتسامحه ومسايرته للغريب عن الديار، وبشكل متميز.
حديثاً نسبياً، بدأ بعض القيادات السياسية والفكرية والمذهبية، يغالي في اللعب على وتر «مظلومية» فئة من قبل الأنظمة الحاكمة. الظلم ونواتج الفساد، إن تك موجودة، واقعة على رؤوس الجميع. الأقليات قادرة على الإفلات، ولو جزئياً، من آثار الظلم والفساد. السبب قدرتها على التنسيق مع الحكومات المركزية لمسايرة خصوصياتها، إلى جانب الاستنجاد بمصادر خارجية. الأخيرة عادةً ما تكون قوية تنسى، أو تتناسى أو تتعامى عن، مشاكل الأقليات لديها.
حركات التغيير التي تعم أركان العالم العربي الآن، تقوم بها الأكثرية، وتستفيد منها الأقليات بنفس المستوى، إن لم يكن أكثر. بعض قيادات الأقليات يقوم بالاشتراك في الثورة والتغيير، لأهداف «مقنّعة» تغاير أهداف الأكثرية. بالذات منها ما يطمع أو يطمح إلى الانفصال، مستغلاً ضعف سلطة المركز، أسوة بما حدث في جنوب السودان مثلاً.
الدعم الخارجي ذو الأهداف الخبيثة، متيسّر لهذه المجموعات، بهدف تمزيق الشعوب والأوطان العربية. يهدف إلى تحويل الأقليات إلى كتل ديمغرافية، ملتهبة داخل أحشاء الأغلبية. ذلك ما حدث في العراق تحت الاحتلال، وما قد يحدث لبعض الدول العربية الأخرى المعرضة للتمزق.
يلجأ زعماء التمرد والانفصال إلى استغلال اختلافات سطحية شكلية تافهة، بين هذا التيار الشعبي وذاك. ينشرون فكرهم بين عامة الناس من الدهماء. المعروف أن نسبة «الأمية الثقافية الفكرية» في العالم العربي، هي من أعلى النسب عبر العالم. المثقفون الواقعيون الواعون في العالم العربي، أقلية جد ضئيلة. الأمية الثقافية الفكرية يمكن استغلالها لنشر أفكار غوغائية فوضوية، ثمة هادفة. زعماء التمرد لا يحتاجون إلى كثير من الوقت والجهد، لنشر الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وتحطيم الجبهة الداخلية لبلدانهم. ما على ذلك الزعيم أو القائد أو الإمام، إلا أن ينشر مقالات تحريضية له على الإنترنت. يُلحق بمقالاته التحريضية المنمّقة جيداً، صوراً مليئة بالفواجع والكوارث، وبالألوان الزاهية الفاقعة.
أحوال الفساد والفوضى وسوء الإدارة والتخطيط في الأقطار العربية، لا يمكن أن تُشرّع لما هب ودب، من حركات تمرد وانفصال واستقلال عن الوطن والأمة. كل أتباع الأديان والمذاهب والطوائف والأعراق، في الوطن الواحد سيان. في ظل كيان وطني يحترم حقوق الإنسان الشخصية والفكرية والثقافية والعقدية، يصبح الجميع سواسية كأسنان المشط.
الجميع يكافح ويناضل ويجاهد من أجل التغيير البنّاء، الذي يأتي بكامل الحقوق للجميع. حب التغيير ليس حكراً على أتباع مذهب أو طائفة أو مجموعة عرقية، يُكثِر بعض قادتها من التظلم والتألم، والتمترس خلف رموز ما أنزل الله بها من سلطان.
لا أحد يزايد على آخر، في حبه للحرية والتغيير والتطور والتقدم. هذه مهاترات عفا عنها الزمن، ولا يتغنى بها إلا ذوو عقول فارغة وقلوب غير سليمة، أو كلاهما معاً.