يستفزني حديث بعض الذين تستضيفهم الفضائيات، الحكومية منها على وجه الخصوص، عندما يوجهون أصابع الاتهام إلى قناة ما من القنوات الفضائية بأنها هي التي تقود الثورة في بلدهم، وتوجه الجماهير للتمرد على السلطة! لأنه إنْ كان هذا صحيحاً، فإنَّ له معنيين لا ثالث لهما:

إما أن تكون هذه الأنظمة التي أمضى بعضها في السلطة أكثر من أربعين عاماً، على درجة من الهشاشة بحيث تقوّضها قناة فضائية، أياً كانت قوة تأثيرها وإما أن هذه الشعوب لم تعد تثق بأنظمتها إلى الدرجة التي يمكن أن تحشدها وتحرضها عليها قناة فضائية، لا تملك من الجيوش وأجهزة الأمن ما تملكه هذه الأنظمة وتستخدمه لتدعيم أركانها.

إن نظاماً تهز أركانه قناة فضائية على بعد آلاف الأميال منه، هو نظام بالتأكيد فيه خلل. لا نقول هذا انتقاصاً من قيمة أي قناة فضائية ولا تقليلاً من شأنها، إذ يسعد كل إعلامي، بل وكل مواطن صالح، أن يكون لوسائل الإعلام كل هذا التأثير، فقد انتظر الإعلاميون طويلاً كي يروا للإعلام هذه السطوة، فلا أقل من أن يفرحوا بها.

لكن الجانب الآخر من الصورة هو تعليق الأنظمة التي تتعرض لهذه الهزات غير المسبوقة، أخطاءها على وسيلة إعلامية ما، في الوقت الذي تملك هي فيه أجهزة إعلام ذات إمكانات هائلة، وميزانيات تفوق أضعافاً مضاعفة ميزانيات وسائل الإعلام المتهمة بتبني المؤامرات،. لكنها أجهزة فقدت مصداقيتها لكثرة ما بثت من أكاذيب، إلى الدرجة التي لم يعد أحد يثق في ما تبثه، حتى لو كان هذا الذي تبثه هو الحقيقة فعلاً، أو جزءاً من الحقيقة.

في الثاني عشر من فبراير عام ‬2008، اعتمد وزراء الإعلام العرب في اجتماع استثنائي، عقدوه في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة، وثيقة أطلق عليها حينها «مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي في المنطقة العربية». وتضمنت الوثيقة اثني عشر بنداً حددت أهدافها ومعاني الكلمات والعبارات التي وردت فيها،.

والهيئات التي تطبق عليها، وقواعد ومعايير وضوابط عامة تلتزم بها هذه الهيئات، وأكدت وضع التشريعات الداخلية في الدول الأعضاء لمعالجة حالات الإخلال بمبادئها. كان واضحاً أن الوثيقة موجهة لقناة بعينها، كانت هي القناة المشاغِبة الوحيدة أو الأكثر مشاغَبةً وقتها، قبل أن يمتلئ الفضاء بالقنوات المشاغبة، من كل شكل ولون،.

لذلك كانت قطر هي الدولة الوحيدة التي تحفظت على الوثيقة. والآن وبعد هذه السنوات الثلاث، تُرى ما الذي تبقى من تلك الوثيقة بعد كل الرياح التي هبت على المنطقة العربية؟

وهل ثمة من يتذكرها؟ وهل كان وزراء الإعلام العرب يقرؤون وقتها ما سيحدث في المنطقة العربية، ليضعوا كل تلك الضوابط التي لم تصمد أمام رياح التغيير التي جرفتها ضمن ما جرفت من عوالق العصر العثماني، على حد تعبير صديقنا الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، في إشارة إلى عصر ما قبل «ثورة الياسمين» في تونس التي بدأ معها عصر جديد، وما تلاها من ثورات ما زالت فصولها تتوالى حتى الآن؟

من يقرأ تلك الوثيقة يجد فيها من المبادئ الأخلاقية والمهنية، ما لو طبقته الفضائيات التي تتبع وزارات الإعلام العربية على نفسها، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من انعدام ثقة بين الشارع العربي والفضائيات الحكومية التي تغرد في فضاء لا يرتاده المشاهدون العرب، معتقدة أن لها تأثيراً في من يشاهدها، إن كان ثمة من يشاهد هذه الفضائيات أو يصدق ما تقوله وتعرضه.

في الكلمة التي افتتح بها الاجتماع الاستثنائي لوزراء الإعلام العرب الذي اعتمد تلك الوثيقة، قال وزير الإعلام المصري أنس الفقي وقتها: «إننا نرى وبوضوح الخطوط الواضحة والعلامات الفاصلة بين حرية التعبير وحرية الإعلام، وحالة الانفلات التي تستهدف إشاعتها،.

والتي لا ينبغي أن نسمح بها، وندرك أن مسؤوليتنا لم تعد قاصرة على إعلام المجتمع بما يدور في عالمنا، وإنما أيضاً حمايته مما قد يتعرض له من مؤثرات دخيلة عليه».

ولكن يبدو أن الخطوط الواضحة والعلامات الفاصلة بين حرية التعبير وحرية الإعلام، التي كان وزراء الإعلام العرب يرونها بوضوح، كانت غير تلك الخطوط والعلامات التي كان يراها، بوضوح أيضاً، أولئك الشباب الذين خرجوا إلى الميادين والساحات لينهوا عصراً ويبدؤوا عصراً لا تعود فيه قناة فضائية، مهما كانت قوة تأثيرها، هي المتهم الأول وربما الوحيد في نظر محللي القنوات الرسمية.

 

في قضية اهتزاز أركان نظام وتقويض بنيانه، لأن نظاماً يقيم بنيانه على قواعد الحق والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات، لن تستطيع قنوات الدنيا كلها أن تحرك شعرة فيه، أو تزحزح لبنة من لبناته، مهما حاكت هذه القناة من مؤامرات، أو تبنت من أجندات خارجية، وفق تعبير مذيعي ومحللي فضائيات العصر العثماني المنقرض.

 

قبل ثلاثة أعوام، عندما اعتمد وزراء الإعلام العرب تلك الوثيقة، قلنا إن الإعلاميين يرون أن من واجبهم التذكير بأن الطريق إلى جهنم كثيراً ما يكون مفروشاً بالنيات الحسنة، وأنهم يتمنون ألا يأتي اليوم الذي يقولون فيه: «نار الفضائيات ولا جنة وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي».

 

ولأن ذاكرتنا مثقوبة، يتساقط منها الكثير مما نقول ونفعل، فنحن مضطرون إلى أن نعيد تذكير وسائل الإعلام العربية التي ما زالت تعيش العصر العثماني (عصر وثيقة تنظيم البث الفضائي العربي التي لم يطبقها أحد)، بأن ذلك العصر قد ولى، ويبدو أنه لن يعود ثانية..

 

لذلك عليها أن تعيد صياغة خطابها بيدها، قبل أن تجد نفسها مضطرة إلى ذلك، ولكن بيد غيرها هذه المرة.